منوعات

نقش على رخام غزة.. فن يودع الأحياء ويخلد الشهداء

في ظل الظروف القاسية التي تشهدها غزة، تحول عمل الفنان محمد ياسين من نقش الرخام للزينة إلى توثيق أسماء الشهداء على شواهد القبور، في محاولة لمقاومة النسيان والحفاظ على الذاكرة الفلسطينية. هذا التحول يعكس واقعًا مأساويًا يتزايد فيه عدد الضحايا يومًا بعد يوم، ويفرض تحديات جديدة على الفنانين والمبدعين في القطاع.

كان ياسين، قبل الحرب، يعمل في مجال الزخرفة والنقش على الرخام لتزيين المنازل والمساجد، وصناعة اللوحات التعريفية. لكن مع تصاعد الأحداث وتزايد أعداد الضحايا، وجد نفسه أمام مهمة جديدة: توثيق أسماء أولئك الذين فقدوا حياتهم في الحرب، وتحويل الرخام من مادة تعبر عن الجمال إلى شاهد على الفقد والألم.

شواهد القبور: ذاكرة حية في زمن الحرب

لم يعد الرخام مجرد حجر ينقش عليه اسم، بل أصبح رمزًا للخلود والذاكرة الوطنية، وشاهدًا على حجم الفقد والصمود في آن واحد. يواجه ياسين تحديات كبيرة في عمله، بدءًا من نقص المواد وارتفاع أسعارها، وصولًا إلى ضيق المساحات في المقابر واضطرار الناس إلى دفن الشهداء بشكل جماعي أو في قبور قديمة.

يقول ياسين: “عملي يتضمن الرسم والتخطيط والدعاية والإعلان، والنقش على الرخام. لقد واكبت تطور هذا المجال من العمل اليدوي التقليدي إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة.” ومع ذلك، أدت الحرب إلى تدمير محله الخاص وتوقفه عن العمل، مما اضطره إلى العمل من أمام منزله في ظروف قاسية.

صعوبات تواجه الحرفيين

أدى نقص المساحات في المقابر إلى دفن الشهداء بشكل جماعي، مما خلق حاجة ملحة إلى وضع شواهد تحمل أسماءهم. يواجه ياسين صعوبات في توفير المواد اللازمة، حيث ارتفعت أسعارها بشكل كبير بسبب الحرب. بالإضافة إلى ذلك، يحرص على عدم تحميل الناس أعباء مالية إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

يضيف ياسين: “أضطررت إلى العمل من أمام المنزل بسبب نقص المواد وارتفاع أسعارها، والحاجة إلى مصدر كهرباء ثابت. لكن ضغط الحاجة إلى مصدر رزق وإلحاح الناس دفعني إلى استئناف العمل في مجال حفر الرخام.”

تكاليف مرتفعة وتحديات لوجستية

تتطلب عملية حفر الرخام جهدًا ووقتاً وتكلفة عالية. كان ياسين يقوم بتصميم الشواهد الرخامية بأسلوب فني، ثم تخطيطها بآيات قرآنية وأسماء الشهداء وبياناتهم. ومع ذلك، تمكن لاحقًا من توفير ماكينة إلكترونية مرتبطة ببرامج التصميم الحديثة لتسهيل عملية الحفر.

على الرغم من هذا التطور، فإن التكلفة ارتفعت بشكل كبير مقارنة بما قبل الحرب. ففي السابق، كان ثمن الشاهد الرخامي لا يتجاوز 100 شيكل، بينما اليوم تصل تكلفته إلى نحو 400 شيكل، مع ارتفاع كبير في الطلب.

توثيق إنساني ومقاومة للنسيان

يعتبر عمل ياسين بمثابة توثيق إنساني للضحايا، ومحاولة لمقاومة النسيان والحفاظ على ذكراهم. يرى الفنانون والمبدعون أن هذا العمل يتجاوز مجرد المهنة، ليصبح مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه الشهداء وعائلاتهم.

يقول الفنان مروان نصار: “الفنان الحقيقي هو من يستطيع الجمع بين الدقة التقنية والبعد الإنساني للعمل، بحيث لا يكون النقش مجرد كتابة أسماء، بل بناء صورة بصرية تحمل معنى ورسالة.” ويضيف أن هذا التحول يمثل نقلة عميقة في وظيفة الفن، من التعبير الجمالي إلى التوثيق الوجداني والإنساني.

وتروي أم سامر، والدة الشهيد سامر أبو يوسف، تفاصيل اللحظة الأصعب في حياتها، حين لم تجد مكانا لدفن ابنها الشهيد. “اضطررتُ إلى فتح قبر زوجي، الذي توفي قبل عدة سنوات، لدفن ابني الشهيد إلى جوار عظام والده.”

الوضع الإنساني في غزة يتدهور باستمرار، وتزداد الحاجة إلى توثيق أسماء الضحايا والحفاظ على ذكراهم. من المتوقع أن يستمر الفنانون والحرفيون في لعب دور حيوي في هذا الجهد، من خلال استخدام فنهم لتوثيق الأحداث والتعبير عن الألم والمعاناة.

في المستقبل القريب، من المرجح أن تشهد غزة زيادة في عدد الشهداء، مما سيزيد من الحاجة إلى شواهد القبور. ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجه الحرفيين، مثل نقص المواد وارتفاع الأسعار، قد تعيق قدرتهم على تلبية هذا الطلب المتزايد. من الضروري توفير الدعم المالي واللوجستي لهؤلاء الحرفيين لمساعدتهم على مواصلة عملهم المهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى