بطاطس في قلب بروكسل.. احتجاجات المزارعين تُغرق شوارع العاصمة البلجيكية

شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل، يوم الخميس الماضي، مظاهرات حاشدة من قبل الآلاف من المزارعين احتجاجًا على اتفاقية تجارية مثيرة للجدل مع دول في أمريكا الجنوبية، وتحديدًا تكتل “ميركوسور”. واستخدمت الشرطة البلجيكية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين الذين أغلقوا طرقًا رئيسية بالجرارات، مما أدى إلى مواجهات واعتداءات على القوات الأمنية.
تجمع المزارعون قرب مبنى أوروبا، معبرين عن رفضهم لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور”، والتي يرون فيها تهديدًا لسبل عيشهم. ووفقًا لتقارير إخبارية، تصاعدت المظاهرة السلمية إلى اشتباكات بعد قيام بعض المتظاهرين بإلقاء الحجارة والبطاطس على الشرطة، وتحطيم نوافذ المباني المحيطة.
احتجاجات المزارعين وتأجيل اتفاقية “ميركوسور”
وقد دفع هذا التصعيد الاتحاد الأوروبي إلى تأجيل إبرام اتفاقية التجارة الحرة الشاملة مع دول أمريكا الجنوبية. يأتي هذا القرار بعد احتجاجات المزارعين، ومعارضة كل من فرنسا وإيطاليا في اللحظات الأخيرة، مما هدد بإفشال الاتفاق الذي طال انتظاره. وكانت أوساط مؤثرة ترى في هذه الاتفاقية أهمية جيوسياسية كبيرة.
وكان من المقرر توقيع اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” في البرازيل خلال نهاية هذا الأسبوع، بعد مفاوضات استمرت لما يقرب من ربع قرن. إلا أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أعلنت عن تأجيل التوقيع لبضعة أسابيع إضافية بهدف معالجة القضايا العالقة مع الدول الأعضاء.
مخاوف المزارعين من المنافسة
تتركز مخاوف المزارعين الأوروبيين حول المنافسة الشديدة من المنتجات الزراعية القادمة من دول “ميركوسور”، والتي قد تكون أقل تكلفة بسبب معايير إنتاج مختلفة. ويخشى المزارعون من أن هذه الاتفاقية ستؤدي إلى انخفاض أسعار منتجاتهم، وتهديد استقرار القطاع الزراعي في أوروبا. القطاع الزراعي هو محرك رئيسي للاقتصاد في العديد من الدول الأعضاء.
بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن الاتفاقية لا تتضمن ضمانات كافية لحماية البيئة ومعايير رفاهية الحيوان في دول “ميركوسور”، وهو ما يثير قلق المنظمات البيئية وحقوق الحيوان. هناك أيضًا قلق بشأن تطبيق معايير الصحة والسلامة الغذائية.
تداعيات التأجيل
يقول محللون إن هذا التأجيل قد يضعف المصداقية التفاوضية للاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية، خاصة في ظل سعي الاتحاد إلى بناء علاقات تجارية جديدة في عالم يشهد تصاعدًا في التوترات التجارية بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين. المفاوضات التجارية تتطلب ثباتًا في الموقف والتزامًا بالاتفاقيات.
وتشير التقديرات إلى أن الاتفاقية، بمجرد التصديق عليها، ستشمل سوقًا تضم حوالي 780 مليون نسمة، وتمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وستلغي تدريجيًا الرسوم الجمركية على غالبية السلع المتداولة بين الكتلتين. ستؤثر هذه الخطوة بشكل كبير على حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا الجنوبية.
وقد سمحت الشرطة في بروكسل بتنظيم احتجاج بمشاركة ما يصل إلى 50 جرارًا، ولكن بحلول ظهر يوم الخميس، تجمع نحو ألف جرار، معظمها يحمل لوحات ترخيص بلجيكية، في العاصمة البلجيكية. قدرت الشرطة عدد المتظاهرين بحوالي 7 آلاف شخص.
في الوقت الحالي، من المتوقع أن تستأنف المفوضية الأوروبية المشاورات مع الدول الأعضاء خلال الأسابيع القادمة، بهدف التوصل إلى حلول توافقية تعالج مخاوف المزارعين والحكومات المعارضة. ويعتبر مصير اتفاقية “ميركوسور” غير مؤكد، ويعتمد بشكل كبير على القدرة على تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية المختلفة، وسيتطلب ذلك جهودًا دبلوماسية مكثفة. مستقبل الاتفاقيات التجارية سيحدد مسار العلاقات الاقتصادية بين أوروبا وأمريكا الجنوبية.