احذروا الإفراط في استخدام سماعات الأذن | صحة

حذرت دراسة حديثة من تزايد حالات تلف السمع بين المراهقين بسبب الاستخدام المفرط للسماعات والضوضاء اليومية، مؤكدة أن واحدا من كل 8 يعاني تلفا سمعيا. وتأتي هذه النتائج لتسلط الضوء على خطر صحي متنام يهدد صحة السمع لدى الشباب، مع تزايد الاعتماد على الأجهزة الصوتية في حياتهم اليومية.
وكشفت الأرقام والدراسات الحديثة عن أن التعرض المزمن للأصوات المرتفعة، وخاصة من خلال سماعات الأذن، يؤدي إلى فقدان السمع التدريجي. هذا الخطر يوصف بأنه “موجة صامتة” تتسلل دون أعراض واضحة في بداياتها، لكنها تترك آثارا طويلة الأمد على القدرة السمعية وجودة الحياة. وتعتبر هذه المشكلة الصحية العامة مصدر قلق متزايد للجهات الصحية والخبراء.
تلف سمعي: دراسة حديثة تكشف الأبعاد
عرض برنامج “مع الحكيم” على قناة الجزيرة مباشر، دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من المركز الطبي لجامعة إراسموس في روتردام بهولندا، نُشرت في ديسمبر 2025 في مجلة طب الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والعنق. واعتُبرت الدراسة من أكبر الدراسات التي تناولت صحة السمع لدى المراهقين، وشملت 3347 مراهقا هولنديا ضمن مشروع بحثي طويل الأمد يعرف باسم “جنيريشن آي”.
أظهرت نتائج الدراسة أن واحدا من كل 8 مراهقين دون سن 18 عاما يعاني بالفعل علامات تلف السمع الناتج عن الضوضاء، فيما يعاني نحو 6% منهم من فقدان سمع حسي عصبي مثبت طبيا. وأشارت النتائج إلى أن شدة التلف السمعي تزداد بوضوح في سن 13 إلى 18 عاما، وهي المرحلة الأكثر حساسية في النمو العصبي والسمعي.
عادات غير آمنة تساهم في تدهور السمع
وفقًا للدراسة، فإن السبب الأول والأكثر تأثيرا يتمثل في التعرض المزمن للأصوات العالية عبر السماعات الذكية، حيث يتراوح متوسط الاستخدام اليومي بين ساعتين إلى 4 ساعات، غالبا بمستويات صوت تتجاوز الحدود الآمنة. هذا الاستخدام المطول يضع ضغطًا كبيرًا على خلايا الأذن الداخلية.
أوضح الدكتور زياد مندور، استشاري الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى الفنون الجراحية في قطر، ضيف برنامج “مع الحكيم”، أن استخدام السماعات لفترات طويلة يأتي في مقدمة العادات المؤذية للسمع، لكنه ليس العامل الوحيد. وأشار إلى أن نمط الحياة الحديث بات مليئا بمصادر الضوضاء اليومية داخل المنازل نفسها، مثل المكنسة الكهربائية، والخلاط، ومجفف الشعر، إضافة إلى الضوضاء المستمرة في الشوارع.
كما حذر من عادات شائعة يستهين بها كثيرون، مثل استخدام أعواد القطن أو أدوات تنظيف الأذن، والتي تؤدي في كثير من الأحيان إلى دفع الشمع إلى داخل الأذن، ما يسبب التهابات ومشكلات سمعية لاحقا. بالإضافة إلى ذلك، يلعب سوء التغذية والتدخين المفرط وقلة الحركة دورًا في التأثير على الدورة الدموية وتغذية خلايا الأذن الداخلية.
الإفراط في استخدام السماعات وتأثيره على السمع
حول الآلية الطبية لـ تلف السمع، أوضح الدكتور مندور أن جميع أنواع السماعات، سواء كانت سلكية أو لاسلكية أو بلوتوث، تحمل الخطورة ذاتها تقريبا من حيث تأثير الصوت المرتفع، مع اختلافات طفيفة تتعلق بالتقنية. التعرض الطويل للأصوات العالية يؤدي إلى مشكلات ميكانيكية وكيميائية وحسية عصبية في الأذن.
وبيّن أن التعرض الطويل للأصوات العالية يؤدي إلى ثلاث مشكلات رئيسية: مشكلة ميكانيكية نتيجة الحركة السريعة والمفرطة لطبلة الأذن والعظيمات، ومشكلة كيميائية بسبب زيادة عمليات الأكسدة داخل الأذن الداخلية، ومشكلة حسية عصبية تصيب الوصلات العصبية والمستقبلات المسؤولة عن السمع.
استخدام آمن للسماعات: قواعد يجب اتباعها
وردا على المخاوف من الدعوة إلى منع السماعات كليا، أكد الدكتور مندور أن استخدام السماعات ليس مرفوضا إذا تم بشكل منظم وآمن، مشددا على قاعدة 60/60، والتي تعني: استخدام 60% فقط من الحد الأقصى لقوة الصوت، وألا تتجاوز مدة الاستخدام 60 دقيقة متواصلة. معظم الهواتف الذكية الحديثة تصدر تنبيهات تلقائية عند تجاوز مستوى الصوت الآمن، ويجب عدم تجاهل هذه الإشعارات.
الاستماع بمستوى أقل من 70 ديسيبل تقريبا يعد آمنا نسبيا، بشرط وجود فترات راحة تتيح تهوية الأذن وتقلل خطر الرطوبة والالتهابات الفطرية.
أيهما أخطر: السماعات داخل الأذن أم فوق الرأس؟
وبين الاستشاري أن السماعات التي توضع داخل الأذن مباشرة تمثل خطورة أكبر، لأنها تنقل الصوت دون تشتت، في حين تعد السماعات التي توضع فوق الرأس أقل خطورة نسبيا من حيث شدة التأثير الصوتي. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى الآثار الجانبية المحتملة للسماعات فوق الرأس، مثل الصداع الشدي والطنين أو التنميل.
متى نعرف أننا تجاوزنا الحد الآمن؟
ومن العلامات التحذيرية المهمة، بحسب الدكتور مندور، أنه إذا كان الشخص الجالس بجوارك يسمع ما يصدر من سماعتك، فهذا يعني أنك تجاوزت 60-70% من مستوى الصوت الآمن.
وأشار إلى أن الدراسات الحديثة أظهرت أن أول الترددات التي تتأثر هي ترددات فهم الكلام، وهي مشكلة كانت شائعة لدى كبار السن، لكنها باتت تظهر الآن لدى المراهقين بسبب الاستخدام السيئ للسماعات.
من المتوقع أن تطلق وزارة الصحة حملات توعية مكثفة حول مخاطر فقدان السمع لدى الشباب خلال الأشهر القادمة. كما يجري حاليًا تقييم إمكانية تضمين مواد تثقيفية حول صحة السمع في المناهج الدراسية. يبقى التحدي الأكبر هو تغيير السلوكيات الخاطئة وزيادة الوعي بأهمية حماية السمع.