اقتصاد

سوريا تدخل مرحلة توطين صناعة السفن لأول مرة

في خطوة اقتصادية بارزة، وقعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية اتفاقية استثمار استراتيجية مع الشركة التركية “كوزاي ستار لبناء السفن” يوم الخميس 15 كانون الثاني/يناير 2026. تهدف الاتفاقية إلى إدخال وتوطين صناعة السفن في سوريا، عبر إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، مما يمثل خطوة نحو تعزيز البنية التحتية البحرية والاقتصاد الوطني.

وتعتمد الاتفاقية نموذج “البناء والتشغيل ونقل الملكية” (BOT)، حيث تتولى الشركة التركية مسؤولية البناء والتجهيز والتشغيل والإدارة لمدة 30 عامًا، مع استثمار لا يقل عن 190 مليون دولار أمريكي خلال السنوات الخمس الأولى. لا يتطلب هذا المشروع أي التزام مالي مباشر من الجانب السوري، مما يجعله خيارًا جذابًا في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

أبعاد اقتصادية لـصناعة السفن في سوريا

أكد الدكتور يحيى السيد عمر، الباحث في الاقتصاد السياسي، أن هذه الاتفاقية تمثل نقطة تحول في مسار إعادة إحياء القطاع البحري السوري، بعد سنوات من التراجع. تأتي في وقت تسعى فيه سوريا لجذب استثمارات نوعية قادرة على تحفيز الإنتاج بعيدًا عن المشاريع قصيرة الأجل.

إنشاء حوض سفن في طرطوس، باستثمار كبير وتوفير أكثر من 5200 فرصة عمل، له أبعاد اقتصادية تتجاوز كونه مجرد منشأة صناعية. سيعمل المشروع على تحريك سوق العمل ودعم الصناعات المعدنية والخدمات الهندسية والنقل البحري.

بالإضافة إلى ذلك، يفتح المشروع الباب أمام توطين صناعة السفن، وهي صناعة ذات قيمة مضافة عالية تتطلب خبرات تقنية متخصصة. وجود حوض متخصص في طرطوس يمكن أن يقلل الاعتماد على الخارج في صيانة السفن التجارية وسفن الصيد، ويقدم خدمات إقليمية، مما يعزز الإيرادات بالعملات الأجنبية.

الموقع الجغرافي لمرفأ طرطوس يمنح المشروع ميزة تنافسية إقليمية (الجزيرة)

تحديات محتملة في تنفيذ المشروع

على الرغم من الفوائد المتوقعة، يرى الدكتور عمر أن نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية يتطلب إدارة دقيقة لشروط العقد. يجب ضمان نقل الخبرة، وحماية المصالح الوطنية، وتحديد آليات التشغيل والعوائد وإعادة الملكية بوضوح.

من بين المخاطر المحتملة الاعتماد المفرط على الجانب الخارجي في الإدارة أو التقنية، أو ضعف مشاركة الكوادر الوطنية في المراحل الأولى. يمكن التخفيف من هذه المخاطر من خلال اشتراط نسب واضحة لتشغيل العمالة السورية، وتقديم برامج تدريب إلزامية، ونقل تدريجي للخبرات، بالإضافة إلى الرقابة المؤسسية.

إعادة تشغيل القطاع البحري السوري

أشار الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل إلى أن الاتفاقية تمثل خطوة قوية نحو إعادة تشغيل القطاع البحري بشكل فعال، من خلال إدخال استثمارات وخبرات تشغيلية مباشرة. هذا يختلف عن بقاء الموانئ في نطاق الخدمات التقليدية.

وفي حال التركيز على نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية، يمكن أن تشكل الاتفاقية نقلة نوعية حقيقية بعد سنوات من التراجع. حجم الاستثمار والوظائف المتوقعة يمنح المشروع وزنًا اقتصاديًا واضحًا، لأنه يخلق حركة تشغيل واسعة ويدعم القطاعات المساندة.

أحمد العكلة_دمشق_سوريا_تاريخ نشرت في تقرير سابق_اللاذقية_سفن من مرفأ اللاذقية_ الجزيرة نت
تقليص الاعتماد على الخارج في صيانة السفن التجارية يعد مكسبا استراتيجيا لسوريا (الجزيرة)

يؤكد المغربل أن الأثر الأكبر يكمن في توطين جزء من صناعة السفن والصيانة، مما يوفر العملة الصعبة على المدى المتوسط ويفتح الباب أمام استثمارات إضافية مرتبطة بسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية. كما أن وجود حوض سفن في طرطوس يمكن أن يعزز موقع سوريا إقليميًا إذا نجح في تقديم خدمات سريعة وبجودة تنافسية.

الخطوة التالية المتوقعة هي تشكيل لجان مشترية لمراجعة تفاصيل العقد، وتحديد جدول زمني واضح لتنفيذ المشروع، والبدء في إجراءات التمويل والتأمين. من المهم مراقبة مدى التزام الشركة التركية ببنود الاتفاقية، وقياس الأثر الفعلي للمشروع على الاقتصاد السوري، وتقييم التحديات التي قد تعيق تقدمه. ستكون هذه العوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الاتفاقية ستشكل حقًا بداية حقبة جديدة للقطاع البحري في سوريا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى