من صوت أم كلثوم لاستعراض شريهان.. رحلة الفوازير من الإذاعة إلى الشاشة

على مدار أكثر من نصف قرن، شكّلت فوازير رمضان أحد أبرز الطقوس الفنية المرتبطة بالشهر الكريم في العالم العربي، حيث اجتمع ملايين المشاهدين يوميا أمام الشاشات في انتظار لغز جديد، واستعراض مدهش، وجرعة مركّزة من البهجة. لم تكن الفوازير مجرد مسابقة ترفيهية، بل حالة فنية متكاملة مزجت بين الدراما والاستعراض والكوميديا والغناء، تاركةً إرثاً ثقافياً خالداً في ذاكرة الأجيال.
بدأت هذه الظاهرة في خمسينيات القرن الماضي من خلال الإذاعة المصرية، ثم انتقلت إلى التلفزيون في الستينيات، وشهدت تطوراً ملحوظاً في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من أجواء رمضان. تراجعت شعبيتها في السنوات الأخيرة مع ظهور وسائل ترفيهية جديدة، لكنها لا تزال تحتفظ بمكانة خاصة في قلوب الكثيرين.
من الإذاعة إلى شاشة التلفزيون
لم تبدأ فوازير رمضان على شاشة التلفزيون كما يظن كثيرون، بل انطلقت من الإذاعة المصرية في خمسينيات القرن الماضي، حين قدمت الإذاعية آمال فهمي فقرة رمضانية تقوم على استضافة أحد النجوم دون الكشف عن هويته، ليقرأ نصا على الهواء ويُطلب من المستمعين التعرف على صوته.
ومن أشهر الحلقات استضافة كوكب الشرق أم كلثوم التي قرأت صفحة من كتاب “الأيام” لـ طه حسين، في مفارقة لافتة إذ لم يتعرّف كثيرون على صوتها بعيدا عن الغناء. كانت هذه البداية المتواضعة نقطة انطلاق لظاهرة ستصبح جزءاً أساسياً من ثقافة رمضان.
مع نجاح الفكرة، استعانت الإذاعة بكبار الشعراء والكتاب مثل بيرم التونسي وصلاح جاهين لتطوير محتوى الفوازير، قبل أن تنتقل التجربة إلى التلفزيون المصري في ستينيات القرن الماضي، وتحديدا عام 1967، حين قُدمت بصورة استعراضية على يد فرقة ثلاثي أضواء المسرح التي ضمّت سمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد، لتصبح الفوازير لأول مرة عرضا تلفزيونيا متكاملا.
نيللي ملكة الفوازير
لاحقا، أحدث المخرج فهمي عبد الحميد نقلة نوعية في منتصف السبعينيات، حيث طوّر الشكل البصري والاستعراضي لفوازير رمضان، وقدمها بقالب مبهر جعلها أيقونة رمضانية ثابتة. ركز عبد الحميد على تقديم عروض استعراضية ضخمة، واستخدام أحدث التقنيات في ذلك الوقت.
حين يُذكر اسم نيللي، يتبادر إلى الذهن فورا عالم الفوازير بألوانه الزاهية واستعراضاته المبهرة. منذ عام 1975 وحتى 1981، ثم في عودات لاحقة مطلع التسعينيات، تربعت نيللي على عرش الفوازير، لتصبح “بطلة رمضان” بلا منازع. تميزت فوازيرها بالرقصات المتقنة والأزياء المبهرة.
امتازت أعمال نيللي بخفة الظل، والرقصات المتقنة، والأزياء اللافتة التي كانت سمة أساسية في كل حلقة. وقد عُرف عنها حرصها الشديد على أدق التفاصيل، حتى إنها ابتكرت فكرة تبديل عدد كبير من الفساتين داخل الحلقة الواحدة، وكانت تتحمل تكلفتها بنفسها إيمانا منها بقيمة العمل الفني.
شريهان الفوازير كحالة فنية متكاملة
في منتصف الثمانينيات، ظهرت شريهان كنجمة استعراضية مختلفة، فخطفت الأنظار بموهبة لافتة وقدرة استثنائية على الأداء الحركي والتمثيلي والغنائي. قدمت شريهان فوازير رمضان كعرض متكامل يجمع بين الكوميديا والاستعراض والدراما.
بدأت رحلتها مع الفوازير عام 1985 من خلال “ألف ليلة وليلة”، وقدمت مواسم متتالية مثل “وردشان” و”حول العالم” و”حكاية فاطيما وحاليما وكاريما”، قبل أن تختتم مشوارها بفوازير “حاجات ومحتاجات” عام 1994. تميزت فوازيرها بضخامة الإنتاج وتنوع الديكورات.
تميّزت فوازير شريهان بضخامة الإنتاج، وتنوع الديكورات، والاعتماد على الحكاية الدرامية داخل كل حلقة، ما جعل العمل أقرب إلى مسرحية استعراضية قصيرة تُختتم بلغز ذكي. وقد شكّلت مع نيللي ثنائيا ذهبيا في ذاكرة المشاهد العربي، حتى ارتبطت الفوازير باسمهما معا.
سمير غانم “فطوطة” والوجه الكوميدي للفوازير
إذا كانت نيللي وشريهان قد منحتا فوازير رمضان بريقها الاستعراضي، فإن سمير غانم أضفى عليها طابعا كوميديا خالصا من خلال شخصية “فطوطة” التي ظهرت لأول مرة عام 1982. أصبحت شخصية فطوطة رمزاً للبهجة والمرح في شهر رمضان.
ارتدى “فطوطة” بدلته الخضراء الشهيرة وحذاءه الأصفر الكبير، ليقدم فوازير تمزج بين الكوميديا الخفيفة والأغنيات المرحة. كانت شخصية فطوطة قادرة على إضحاك الكبار والصغار على حد سواء.
جاءت شخصية فطوطة من ابتكار المخرج فهمي عبد الحميد، وكتبها عبد الرحمن شوقي، ولحّن أغنياتها الموسيقار سيد مكاوي. وقد نجح سمير غانم في تقديم أكثر من شخصية داخل العمل، مؤكدا قدرته على التنويع بين الأداء الكوميدي والغنائي.
أفول نجم الفوازير
مع مطلع الألفية الجديدة، بدأت فوازير رمضان تتراجع تدريجيا، في ظل تغيّر الذائقة الفنية وظهور أنماط جديدة مثل مسلسلات “الست كوم” والبرامج الكوميدية اليومية. أدى انتشار القنوات الفضائية وبرامج الواقع إلى تشتت اهتمام الجمهور.
ورغم بعض المحاولات لإحيائها، فإنها لم تستعد بريقها القديم، لتتحول إلى ذكرى جميلة في وجدان أجيال تربّت على انتظارها كل مساء. تعتبر بعض المحاولات الحديثة لإعادة تقديم الفوازير غير ناجحة بسبب عدم قدرتها على مواكبة التطورات الفنية.
وربما يكمن سر خلود الفوازير في بساطتها ودفئها الأسري؛ إذ جمعت أفراد العائلة حول شاشة واحدة، يتناقشون في حل اللغز، ويستمتعون بالاستعراضات، وهو ما بات نادرا اليوم. من المتوقع أن يستمر الجمهور في تذكر الفوازير كجزء من التراث الثقافي العربي.