الفن والفنانين

“الست”.. فيلم يقترب من أم كلثوم ويتردد في فهمها

مع صدور فيلم “الست” مؤخراً، أثير جدل واسع حول طريقة تناول السيرة الذاتية لأم كلثوم، تلك الشخصية التي لا تزال تحتل مكانة خاصة في قلوب الملايين من المصريين والعرب. الفيلم، الذي يمثل محاولة لتقديم رؤية جديدة لأيقونة الطرب، يواجه تحدياً كبيراً في تحقيق التوازن بين الأصالة التاريخية والتفسير الفني، خاصةً مع الحساسية العالية التي يثيرها أي عمل يتعلق بـأم كلثوم.

الفيلم من إخراج مروان حامد وسيناريو أحمد مراد، وبطولة منى زكي التي تلعب دور أم كلثوم، بالإضافة إلى نخبة من الممثلين البارزين كـ محمد فراج وسيد رجب وأحمد خالد صالح. الفيلم ليس إعادة سرد لتاريخها، بل محاولة لتقديم لمحات من حياتها ومسيرتها الفنية.

الست وغياب وجهة النظر الواضحة

منذ اللحظات الأولى للعرض، يتبين أن “الست” يبتعد عن السرد التقليدي الخطي للأحداث. اختار المخرج أحمد مراد تقديم الفيلم من خلال مجموعة من المشاهد المفصلية في حياة أم كلثوم، مع التنقل الحر بين فترات زمنية مختلفة. هذا الأسلوب يمنح الفيلم إيقاعاً سريعاً ومتميزاً، ولكنه في الوقت نفسه يفتقر إلى بناء درامي متماسك.

التركيز ينصب على التقاط لحظات مؤثرة تكشف عن جوانب مختلفة من شخصية أم كلثوم، سواء كانت لحظات نجاح أو إخفاق، قوة أو ضعف. الفيلم لا يسعى إلى تقديم تحليل تاريخي دقيق، بل يهدف إلى إثارة التساؤلات حول هذه الشخصية الأسطورية.

على الرغم من أن الفيلم يتجنب الوقوع في فخ التقديس المفرط، إلا أنه يعاني من مشكلة أساسية وهي غياب وجهة النظر الواضحة. فالفيلم يقدم مجموعة من الأفكار حول أم كلثوم، لكنه لا يتبنى أي منها بشكل قاطع، مما يترك المتفرج في حالة من التشتت والغموض.

تحديات الإنتاج وتقديم الأيقونة

واجه صناع الفيلم تحدياً كبيراً في اختيار اللحظات التي سيتم التركيز عليها في الفيلم. فحياة أم كلثوم غنية بالأحداث والتفاصيل، وكان من الصعب حصرها في فيلم واحد. كما أنهم اضطروا إلى التعامل مع توقعات الجمهور العالية، والتي تشكلت على مر السنين من خلال الأفلام والمسلسلات والأغاني التي تناولت حياتها.

استخدام تقنية الأبيض والأسود بشكل متقطع أثار أيضاً بعض التساؤلات. ففي حين أن هذه التقنية قد تساهم في إضفاء جو من الحنين والشوق، إلا أنها بدت في بعض الأحيان غير ضرورية أو غير متسقة مع بقية الفيلم. بالإضافة إلى ذلك، أدى الاعتماد المفرط على مشاهير الضيوف إلى تشتيت الانتباه عن القصة الرئيسية.

إن ظهور شخصيات تاريخية بارزة في الفيلم، على الرغم من أهميته، قد يطغى على العمق النفسي للشخصية الرئيسية. فالفيلم يركز أحياناً بشكل مبالغ فيه على النجوم الذين ظهروا في حياة أم كلثوم، بدلاً من التركيز على دوافعها وأحاسيسها الداخلية.

الأداء الفني وواقعية التصوير

أداء الممثلة منى زكي في دور أم كلثوم لاقى استحساناً كبيراً من النقاد والجمهور على حد سواء. فقد تمكنت من تجسيد ملامح الشخصية بشكل مقنع، وإظهار الأبعاد المختلفة لشخصيتها. كما أن بقية الممثلين قدموا أداءً جيداً، وساهموا في إضفاء الحيوية على الفيلم.

من ناحية أخرى، يرى البعض أن الفيلم يفتقر إلى بعض التفاصيل الدقيقة التي قد تساهم في زيادة واقعية التصوير. فالمشاهد التي تصور حياة أم كلثوم اليومية بدت في بعض الأحيان سطحية وغير مقنعة. كما أن الحوارات لم تكن دائماً طبيعية أو تعكس اللغة التي كانت سائدة في تلك الفترة الزمنية.

الخلاصة: مستقبل الأفلام السيرية في السينما المصرية

في الختام، يمثل فيلم “الست” محاولة جريئة لتقديم رؤية جديدة لأيقونة الطرب أم كلثوم. على الرغم من العيوب التي يعاني منها الفيلم، إلا أنه يظل عملاً سينمائياً يستحق المشاهدة، خاصةً بالنسبة لمحبي أم كلثوم والمهتمين بتاريخ السينما المصرية. من المتوقع أن يثير الفيلم نقاشاً واسعاً حول مستقبل الأفلام السيرية في السينما المصرية، وكيفية التعامل مع الشخصيات التاريخية بطريقة أكثر عمقاً وإبداعاً. وستظهر مدى تأثيره على الإيرادات في الأيام القليلة القادمة، مما قد يحدد مسار إنتاجات مماثلة في المستقبل القريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى