فضاءات ضيقة وتعبير مقيّد.. هل ينجو فن الجداريات في ليبيا؟

تشكل الفنون بمختلف أنواعها وتجلياتها بوابة للتعبير الإنساني، ويعبر الفرد من خلالها عما يختزنه من مشاعر وأسئلة. وفي ليبيا، يكتسب فن الجداريات سياقًا خاصًا، إذ انبثق مع لحظة الثورة معبرًا عن الحرية والرفض والأمل، لكنه يواجه اليوم تحديات جمة تهدد استمراره. هذا المقال يستعرض حالة فن الجداريات في ليبيا، التحديات التي تواجهه، ومحاولات الفنانين للحفاظ عليه.
بعد فترة من الازدهار في أعقاب ثورة 2011، تراجع حضور الجداريات في المشهد الليبي. ورغم ذلك، لم يختفِ هذا الفن تمامًا، بل ظل محصورًا في نطاقات ضيقة بسبب القيود الإجرائية وغياب الدعم، معتمدًا على إصرار الفنانين ومحاولاتهم الدؤوبة.
عندما تضيق المساحة لفن الجداريات
الفنان سالم المزوغي من مدينة بنغازي، المهتم برسم الجداريات وفن الغرافيتي والهيب هوب، يصف فن الجداريات في ليبيا بأنه فن صعب. فهو ينقل من الشارع رسائل وآراء قد تنتقد السلطة، وهو ما يجعله عرضة للقيود. وأضاف أن الإجراءات المعقدة للحصول على التصاريح، بالإضافة إلى المساحات المحدودة المتاحة، قد قوضت رواجه بعد أن كان وسيلة التعبير الأشهر إبان الثورة.
ويطمح المزوغي إلى أن يصبح فن الجداريات في ليبيا فنًا معترفًا به على نطاق واسع. ويسعى من خلال تجربته في رسم الحروفيات العربية على الجدران إلى تقديم الحرف العربي بحداثة تعبر عن الهوية العربية والثقافية للجيل الشاب.
“أشعر بمسؤولية جمالية وأخلاقية لتحويل المكان الذي أعيش فيه إلى مكان أجمل”، يقول المزوغي.
تجارب حية في الرسم على الجدران
الفنان محمد شندول، الذي ينتمي إلى جيل تشكل وعيه الفني خلال الثورة، يشارك تجربته الأولى في الرسم على الجدار، وتحديدًا على سور باب العزيزية في طرابلس. هذه التجربة المفتوحة أمام الجمهور، وتفاعله المباشر مع العمل، شكلت نقطة انطلاقته.
ويستعيد شندول تجربته في الرسم على جدار في طرابلس، حيث أتاح له الموقع المفتوح تفاعلًا حيًا مع المارة. تنوعت ردود الأفعال بين الإعجاب والتشاؤم بشأن بقاء الجدارية.

تحديات دامغة تواجه فناني الجداريات
يؤكد المزوغي أن عملية الحصول على التصاريح اللازمة للفنانين معقدة، وتفرض قيودًا على المواقع والأفكار. ويرى أن هذا يعيق تطور فن الجداريات ويقلل من تأثيره.
في عام 2022، واجه الفنان محمد بوليفة صعوبات في الحصول على تصريح لرسم جدارية في مدينة بنغازي. وبسبب ذلك، لجأ إلى الرسم الرقمي ونشر الصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما لاقى صدى واسعًا.
الخبيرة القانونية جازية شعيتير تشير إلى أن تعقيد المسار الإداري للحصول على التصاريح، وعدم وجود نموذج موحد، يمثلان عقبة كبيرة أمام الفنانين. وتؤكد أن هذا يؤدي إلى تأخيرات طويلة وإحباط للفنانين.

محاولات لدعم وتشجيع فن الجداريات
الفنان والكاتب عدنان معيتيق يرى أن هناك تطورًا لافتًا في فن الجداريات في ليبيا، مدفوعًا بحماس الفنانين الشباب واطلاعهم على التجارب العالمية. ويشير إلى أن دعم هذا الفن يتطلب إجراءات بسيطة، مثل تخصيص مساحات للرسم في الساحات والميادين، وإقامة ورش عمل لتبادل الخبرات.
وتدعو الجهات المعنية إلى توحيد آلية التصاريح وتبسيطها، وتشجيع الفنانين على إبراز الهوية الوطنية من خلال جداريات توثق التاريخ والثقافة الليبية. كما يرى البعض ضرورة ربط فن الجداريات بمشاريع ثقافية تنموية مستدامة، مثل تجميل الأحياء وإعادة تأهيل الفضاءات العامة.

من المتوقع أن تستمر الجهود الرامية إلى دعم فن الجداريات في ليبيا خلال الفترة القادمة. وتتركز الآمال على تبسيط إجراءات الحصول على التصاريح، وتوفير الدعم المالي والفني للفنانين، وإدماج هذا الفن في المشاريع الثقافية والتنموية. يبقى مستقبل هذا الفن مرهونًا بالاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، وبالاهتمام المتزايد من قبل الجهات المعنية.