فيروس “نيباه” يهدد الأنظمة الصحية: هل يتحوّل إلى جائحة شبيهة بـ”كورونا”؟

أثارت موجة جديدة من حالات الإصابة بفيروس نيباه في الهند مخاوف صحية عالمية، مما دفع الخبراء إلى تجديد الدعوات للاستعداد لمواجهة هذا العامل الممرض القاتل. يُعتبر فيروس نيباه منذ سنوات من بين أخطر التهديدات الفيروسية الناشئة، ويتميز بمعدلات وفيات عالية وقدرته على الانتشار في البيئات الصحية.
أكدت منظمة الصحة العالمية تسجيل حالات مؤكدة ومشبوهة في ولاية البنغال الغربية الهندية في يناير الماضي، مع إصابة بعض العاملين في مجال الرعاية الصحية، مما يشير إلى احتمال انتقال العدوى داخل المستشفيات. يأتي هذا التفشي في وقت لا يزال فيه العالم يتعافى من جائحة كوفيد-19، مما يزيد من الضغط على الأنظمة الصحية العالمية.
فيروس نيباه: التهديد المتصاعد وأسبابه
ينتقل فيروس نيباه بشكل رئيسي من خفافيش الفاكهة إلى البشر عبر استهلاك الفواكه أو عصائر النخيل الملوثة. يمكن أن ينتقل الفيروس أيضًا من شخص إلى آخر من خلال الاتصال الوثيق، مما يجعل العاملين في مجال الرعاية الصحية أكثر عرضة للخطر. وفقًا لعلم الأوبئة ديكّي بوديمان من جامعة غريفيث الأسترالية، فإن انتشار الفيروس ليس حدثًا عشوائيًا، بل هو نتيجة مباشرة للتدمير البيئي، والتوسع الحضري، وزيادة التنقل البشري.
العوامل البيئية والاجتماعية
تؤدي إزالة الغابات وتدهور النظم الإيكولوجية إلى زيادة الاحتكاك بين البشر والحيوانات، مما يعزز فرص انتقال الفيروس. كما أن ضعف ممارسات سلامة الأغذية وعدم كفاية تدابير الأمن الحيوي في القطاع الزراعي يساهمان في انتشار الفيروس. يؤكد الخبراء على أن هذه العوامل الاجتماعية والبيئية تتطلب معالجة شاملة للحد من خطر تفشي الفيروس.
أعراض ومعدلات الوفيات
تشمل الأعراض الأولية لفيروس نيباه الحمى والصداع وآلام العضلات والقيء والتهاب الحلق، وهي أعراض مشابهة لأعراض الإنفلونزا. ومع تقدم المرض، قد يتطور إلى التهاب رئوي أو فشل تنفسي أو التهاب دماغي، مما قد يؤدي إلى فقدان الوعي والنوبات والغيبوبة والوفاة. تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن معدل الوفيات بين المصابين بفيروس نيباه نتيجة التعرض المباشر للخفافيش يبلغ 90%، بينما يتراوح بين 40% و 50% في حالات العدوى المنقولة من إنسان إلى إنسان.
التحديات التشخيصية والعلاجية
يفتقر العالم حاليًا إلى لقاح معتمد أو علاج مضاد للفيروسات مخصص لفيروس نيباه. يعتمد العلاج بشكل أساسي على الرعاية الداعمة، بما في ذلك العناية المركزة. على الرغم من أن التجارب السريرية للقاحات المحتملة جارية، إلا أن النتائج لا تزال غير مؤكدة. يؤكد الخبراء على أهمية التشخيص المبكر ومكافحة العدوى الفعالة في المرافق الصحية، خاصة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
نهج “الصحة الواحدة” ضروري
يؤكد الخبراء على أهمية اعتماد نهج “الصحة الواحدة” الذي يدمج صحة الإنسان والحيوان والبيئة ضمن إطار متكامل. يتطلب هذا النهج مراقبة مستمرة، وتمويلًا مستقرًا، وإرادة سياسية فاعلة. بالإضافة إلى ذلك، يجب اتخاذ تدابير وقائية مثل الحد من الاحتكاك بالخفافيش، وغسل الفواكه والخضروات جيدًا، والعزل السريع للحالات المشتبه بها، واستخدام معدات الحماية الشخصية في المرافق الصحية.
على الرغم من أن فيروس نيباه لم يتحول إلى جائحة عالمية حتى الآن، إلا أن الخبراء يحذرون من أن هذا لا يعني أن الاستراتيجيات الحالية كافية. تشير التقييمات العلمية إلى أن احتمال تحول الفيروس إلى جائحة عالمية على غرار كوفيد-19 ضعيف، ولكنه ليس مستحيلاً تمامًا. يجب أن نتعلم من تجربة كوفيد-19 وأن نتحرك بسرعة وحسم للحد من خطر تفشي فيروس نيباه.
من المتوقع أن تستمر منظمة الصحة العالمية في مراقبة الوضع عن كثب وتقديم التوجيهات للدول المتضررة. سيتم التركيز على تعزيز القدرات التشخيصية، وتحسين ممارسات مكافحة العدوى، وتسريع تطوير اللقاحات والعلاجات. يجب على المجتمع الدولي الاستعداد لمواجهة هذا التهديد الناشئ من خلال الاستثمار في البحث والتطوير، وتعزيز الأنظمة الصحية، وتعزيز التعاون الدولي.