مقالات

ركاب الدرجة الاقتصادية يدفعون الثمن.. لماذا ارتفعت أسعار رحلات الطيران وتراجعت الخدمات؟

في السنوات الأخيرة، بات كثير من المسافرين يشعرون أن تجربة الطيران أصبحت أكثر كلفة وأقل راحة وأضعف من حيث مستوى الخدمة. صحيح أن جزءا من هذا التراجع يرتبط بارتفاع تكاليف الوقود والعمالة واضطراب سلاسل الإمداد، إلا أن جزءا أساسيا من القصة يعود إلى سلوك السوق نفسه. فالتذمر الواسع لم يتحول إلى ضغط فعلي يغير قرارات الشراء أو أنماط السفر، مما أدى إلى استمرار شركات الطيران في تطبيق سياسات تهدف إلى زيادة الإيرادات حتى لو كانت على حساب راحة المسافر. هذا الوضع يثير تساؤلات حول مستقبل السفر الجوي ومستوى الخدمات التي يمكن أن يتوقعها المسافرون.

نتيجة لذلك، اختبرت شركات الطيران حدود ما يمكن فرضه على الركاب، ثم ثبتت هذا النموذج: تقليص ما يشمله السعر الأساسي، وتوسيع قائمة الرسوم على أدق التفاصيل، وتضييق المساحة في الدرجة الاقتصادية لصالح منتجات وخدمات أعلى ربحا. هذا التحول في نموذج العمل يضع المسافرين أمام خيارات محدودة، ويجعلهم يدفعون أكثر مقابل نفس الخدمات أو خدمات أقل.

الامتلاء هو “صوت” المسافر الحقيقي

لا تعتمد شركات الطيران في تقييم رضا المسافرين على عدد الشكاوى أو التعليقات الغاضبة، بل على مؤشرات الطلب الفعلية، وفي مقدمتها نسب امتلاء الطائرات وحجم الإيرادات. فالبيانات هي التي توجه القرارات الاستراتيجية للشركات، وليس مجرد ردود الفعل على الشكاوى.

ويتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) أن يصل متوسط عامل امتلاء الرحلات عالميا في عام 2025 إلى نحو 84 في المئة، وهو أعلى مستوى يسجل على الإطلاق. هذا الرقم يعكس استمرار الطلب القوي على السفر الجوي، حتى مع ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.

عندما تمتلئ الطائرات بهذا الشكل، تكون الرسالة واضحة من وجهة نظر الشركات: المسافرون ما زالوا يدفعون ويسافرون، وبالتالي لا يوجد دافع اقتصادي قوي لإعادة الخدمات المجانية أو توسيع المساحات داخل مقصورات الدرجة الاقتصادية. الشركات تركز على تحقيق أقصى قدر من الإيرادات من كل مقعد.

“تفكيك السعر” كيف تحولت التذكرة إلى مجموعة رسوم؟

أبرز ما استفادت منه شركات الطيران من صمت المستهلكين تمثل في “الرسوم الإضافية”. فبدلاً من رفع سعر التذكرة مباشرةً، جرى تفكيكها إلى سعر أساسي منخفض ظاهرياً، تحيط به قائمة متزايدة من المدفوعات المنفصلة، تشمل اختيار المقاعد، والأمتعة، والطعام، وبعض خدمات الترفيه على متن الطائرة. هذه الممارسة تسمح للشركات بتقديم أسعار جذابة ظاهرياً، مع تحقيق إيرادات إضافية من خلال الرسوم.

يتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن تبلغ إيرادات الخدمات الإضافية عالمياً نحو 144 مليار دولاراً في عام 2025، وهي إيرادات تسهم في دعم مستويات قياسية من دخل شركات الطيران. هذا النمو في الإيرادات الإضافية يعزز من اعتماد الشركات على هذا النموذج.

وفي الولايات المتحدة، وصف تقرير الأغلبية في لجنة التحقيقات الدائمة بمجلس الشيوخ هذه الممارسات بأنها “رسوم خفية غير مبررة”، مشيراً إلى أن 5 شركات طيران كبرى جمعت نحو 12.4 مليار دولاراً من رسوم المقاعد بين عامي 2018 و2023، فيما تجاوزت رسوم المقاعد وحدها 3 مليارات دولاراً في عام 2023. هذه الأرقام تظهر حجم الإيرادات التي تحققها الشركات من خلال الرسوم الإضافية.

وتظهر بيانات وتقارير متخصصة أن هذه الرسوم باتت تمثل نحو 15 في المئة من عائدات شركات الطيران عالمياً، مقارنة بنحو 5 في المئة فقط في عام 2010، مع تحقيق مئات المليارات من الدولار من هذا النوع من الإيرادات بحلول عام 2025. هذا الارتفاع الكبير في حصة الإيرادات من الرسوم يعكس التحول الجوهري في نموذج عمل شركات الطيران.

الأمتعة مثال صارخ

تشكل رسوم الأمتعة أوضح نموذج لتحول شركات الطيران نحو تعظيم الدخل عبر الخدمات الإضافية. فبحسب تقديرات صادرة عن شركة “آيديا وركس” (IdeaWorksCompany) بالتعاون مع “كار تراولر” (CarTrawler)، بلغت إيرادات رسوم الحقائب عالمياً نحو 33.3 مليار دولار في عام 2023، بزيادة تقارب 15 في المئة مقارنة بعام 2022. هذا النمو المستمر في إيرادات رسوم الأمتعة يؤكد على أهمية هذا المصدر من الدخل للشركات.

ومع تحول الحقيبة المسجلة، والاختيار المسبق للمقعد، وحتى بعض الخدمات على متن الطائرة إلى مصادر ربح مستقلة، يصبح منطقياً من منظور تجاري أن تتقلص الخدمات المشمولة ضمن سعر التذكرة الأساسي، وأن تتسع في المقابل قائمة الرسوم المدفوعة التي يتحملها الراكب، خصوصاً في الدرجة الاقتصادية. هذا التغيير يؤثر بشكل مباشر على تجربة المسافرين.

لا يعني ذلك أن جميع شركات الطيران تعمل في ظروف مالية مريحة أو متساوية، لكن هذه الأرقام توضح أن استمرار تراجع جودة تجربة السفر لا يمكن تفسيره فقط بمنطق التعافي من الخسائر. فجزءٌ من هذا التراجع يرتبط أيضًا بترسيخ نموذج ربحي جديد، اختبرته الشركات خلال الأزمة ووجدت أن السوق يتقبله، بل ويتكيف معه، دون أن يفرض تغييرًا جوهريًا في السلوك الاستهلاكي.

الوضع الحالي يشير إلى أن شركات الطيران ستستمر في تطبيق هذا النموذج طالما استمر الطلب على السفر في النمو، ولم يفرض المستهلكون ضغطًا كافيًا لتغيير السياسات. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الابتكارات في مجال الرسوم الإضافية، مع التركيز على الخدمات التي يمكن أن تولد إيرادات إضافية.

في الختام، من المرجح أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل القريب، مع توقعات بتحقيق المزيد من الأرباح لشركات الطيران. يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان المستهلكون سيقبلون هذا الوضع، أو ما إذا كان سيظهر رد فعل قوي يجبر الشركات على إعادة النظر في سياساتها. من المهم مراقبة تطورات صناعة الطيران، وردود فعل المستهلكين، والقرارات التنظيمية التي قد تؤثر على مستقبل السفر الجوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى