السودان على مفترق طرق: حرب استنزاف أم مفاوضات جادة؟ | أخبار

يصف محللون الوضع في السودان بأنه أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع تصاعد وتيرة العنف وتدهور الخدمات الأساسية. وقد دخل الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مرحلة حرجة بعد مرور أكثر من عامين، دون وجود حل سياسي واضح في الأفق، الأمر الذي يفاقم معاناة المدنيين ويضع البلاد على شفا كارثة شاملة. وتتزايد المخاوف من أن تستمر الأزمة السودانية لفترة طويلة، مما يزيد من عدد الضحايا والنازحين ويعيق جهود التنمية والاستقرار.
آخر التطورات الميدانية تشير إلى سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة بابنوسة الاستراتيجية وحقل هجليج النفطي، وهو الأهم في البلاد. في المقابل، أعلن الجيش السوداني عن “انسحاب تكتيكي” بهدف حماية المنشآت النفطية الحيوية، مما يعكس تعقيد الوضع العسكري وتصاعد المخاطر على البنية التحتية السودانية. هذه التحركات تؤكد أن الصراع يتجه نحو مسار تصعيدي قد يعيد البلاد إلى دائة العنف والفوضى.
السيطرة الجغرافية وتداعياتها على الأزمة السودانية
تشير التحليلات إلى أن السيطرة الجغرافية الحالية في السودان لا تزال غير مستقرة، مع تبادل الاتهامات بين الطرفين المتنازعين. فقد أوضح الدكتور فتحي أبو عمار، رئيس تحرير صحيفة الوسط من ميلانو، أن قوات الدعم السريع تسيطر على نحو 90% من منطقة كردفان – باستثناء الأبيض والدلنج وكادقلي – بالإضافة إلى مناطق واسعة في الصحراء الغربية ودارفور.
بينما يحتفظ الجيش السوداني بقوته النوعية، حيث مازال يضم 25 فرقة، إلا أنه فقد السيطرة على 6 فرق كانت محاصرة، ولكنه تمكن من سحبها وإعادة نشرها في الشمال. هذا التوزيع للقوة يعكس صعوبة تحقيق أي من الطرفين لحسم عسكري كامل، ويشير إلى أن مستقبل الصراع قد يتحدد بتحالفات إقليمية ودولية.
تأثيرات كارثية على المدنيين
الأزمة الإنسانية في السودان تتفاقم بشكل مروع. وقد بلغ عدد القتلى نحو 150 ألف شخص، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، إضافة إلى نزوح أكثر من 12 مليون سوداني داخل وخارج البلاد. هذا العدد الهائل من النازحين يضع ضغوطًا هائلة على الموارد المتاحة ويؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية.
وتواجه مناطق واسعة من السودان، وخاصة إقليم دارفور، خطر المجاعة بسبب انعدام الأمن الغذائي وتعطيل المساعدات الإنسانية. التقارير الواردة من دارفور تشير إلى أن الوضع الإنساني قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والدواء والماء.
المبادرات الدولية والإقليمية للحل
لم تتوقف الجهود الدولية والإقليمية عن السعي لإيجاد حل للأزمة السودانية. بدأت مبادرة جدة في مايو/أيار 2023 برعاية سعودية وأمريكية، وأسفرت عن توقيع إعلان جدة الإنساني الذي يهدف إلى حماية المدنيين والمرافق المدنية. ولكن سرعان ما تبين أن التزامات الطرفين بإعلان جدة كانت محدودة، ولم يتمكن المجتمع الدولي من تحقيق تقدم ملموس نحو وقف إطلاق النار.
لاحقت ذلك مبادرة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) بدعم من الاتحاد الأفريقي. إلا أن هذه المبادرة واجهت تحديات بسبب رفض الحكومة السودانية لرئاسة كينيا للجنة الرباعية، متهمة الرئيس الكيني وليام روتو بالانحياز لقوات الدعم السريع. هذا الرفض يعكس عمق الانقسامات السياسية في السودان وصعوبة تحقيق توافق بين الأطراف المتنازعة.
في الوقت الحالي، تبدو المبادرة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، هي آخر محاولة جادة لإنهاء الصراع. تدعو هذه المبادرة إلى هدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر، يتبعها وقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقال سياسي تمتد لتسعة أشهر، بهدف إقامة حكومة مدنية مستقلة. غير أن نجاح هذه المبادرة يعتمد على مدى استعداد الطرفين للتعاون والتنازل عن بعض المواقف.
العقبات أمام التوصل إلى حل
يشير الدكتور كاميرون هدسون، مستشار المبعوث الأميركي السابق إلى السودان، إلى وجود عقبات كبيرة أمام التوصل إلى حل للأزمة السودانية. ويؤكد على ضرورة قبول المبادرة الرباعية من الطرفين دون شروط مسبقة لوقف إطلاق النار، لكنه يرى أن ذلك أمر صعب التحقيق.
بالإضافة إلى ذلك، يتهم هدسون دولًا إقليمية بالتدخل في الشأن السوداني وتأجيج الصراع، مما يعيق جهود السلام. ويشير إلى أن الدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع من بعض الدول الإقليمية يتجاوز بكثير الدعم الذي يحصل عليه الجيش السوداني من مصر أو السعودية أو قطر أو تركيا. هذا التفاوت في الدعم يخلق اختلالًا في ميزان القوى ويجعل من الصعب على أي من الطرفين تحقيق حسم عسكري.
ويرى الدكتور بكري الجاك، المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، أنه لا توجد صيغة معروفة للحسم العسكري في السودان. ويؤكد على رفض التحالف للحرب مبدئيًا، معتبرًا أنها ليست وسيلة لتحقيق أي حلول في البلاد. ويحذر من أن تدخل القوى المدنية والسياسية في الحرب قد يؤدي إلى تقسيم البلاد.
وفي الختام، يواجه السودان وضعًا بالغ التعقيد والخطورة. من المتوقع أن يستمر الضغط الإقليمي والدولي من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة السودانية، مع التركيز على إعطاء الأولوية للاحتياجات الإنسانية للمدنيين. ومن الضروري مراقبة مدى التزام الطرفين المتنازعين بوقف إطلاق النار، وتقييم فعالية المبادرات الدولية والإقليمية في تحقيق الاستقرار في البلاد. وتظل احتمالات تفاقم الأزمة واردة في ظل استمرار العنف والانقسامات السياسية.