اقتصاد

هل خدع ترامب الأميركيين بتعريفات “يوم التحرير”؟

على الرغم من رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسوم الجمركية إلى مستويات قياسية، إلا أن الأثر الفعلي لهذه الخطوة على الاقتصاد الأميركي كان أقل من المتوقع، وفقًا لتقرير حديث. جاءت النتائج بعيدة كل البعد عن الوعود التي أطلقها الرئيس ترامب في حملته الانتخابية، مما أثار تساؤلات حول فعالية هذه السياسة التجارية.

تشير دراسة أجراها اقتصاديون من جامعتي هارفارد وشيكاغو إلى أن المعدل الفعلي للرسوم الجمركية الذي دفعه المستوردون كان أقل بكثير من المعدلات المعلنة رسميًا. هذا التفاوت يثير الشكوك حول مدى قدرة هذه الرسوم على تحقيق الأهداف المرجوة من ورائها، ويضع في دائرة الضوء آليات التنفيذ والتأثيرات غير المباشرة.

الرسوم الجمركية وتأثيرها الحقيقي على الاقتصاد الأمريكي

بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2025، بلغ المعدل الفعلي للرسوم الجمركية حوالي 14.1٪ فقط، في حين وصل المعدل الاسمي المعلن إلى 27.4٪. هذا الانخفاض يعود إلى عدة عوامل، أبرزها الإعفاءات الواسعة التي منحت لدول وقطاعات محددة. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت التأخيرات في تطبيق الرسوم على بعض السلع، بسبب طول سلاسل الإمداد العالمية، في تخفيف الأثر الفعلي.

أكدت غيتا غوبيناث، أستاذة الاقتصاد في هارفارد ونائبة المديرة العامة السابقة لصندوق النقد الدولي، أن “الرسوم الجمركية الفعلية أقل بكثير مما أُعلن عنه”، مضيفة أن ذلك “يُفسر جزئيًا سبب عدم ظهور آثار كبيرة على الاقتصاد”. هذا الرأي يتوافق مع تحليلات أخرى تشير إلى أن الرسوم الجمركية قد لا تكون الأداة الأكثر فعالية لتحقيق النمو الاقتصادي.

أسباب انخفاض المعدل الفعلي للرسوم الجمركية

شملت الإعفاءات المهمة قطاع أشباه الموصلات، مما أدى إلى دفع معدل رسوم جمركية فعلي منخفض نسبياً يبلغ حوالي 9% فقط. يعتقد البعض أن هذه الإعفاءات كانت محاولة لتقليل الأثر السلبي على شركات التكنولوجيا الأميركية، التي تعتمد بشكل كبير على هذه المكونات في إنتاجها. نتيجة لذلك، استفادت دول مثل تايوان، وهي أحد أكبر مصدري الرقائق، من رسوم جمركية أقل مما كان متوقعًا.

كما استفادت كندا والمكسيك بشكل كبير من الإعفاءات بموجب اتفاقية الولايات المتحدة/المكسيك/كندا، حيث تم تصنيف حوالي 90٪ من الواردات منهما على أنها متوافقة مع الاتفاقية في عام 2025، مقارنة بأقل من 50٪ في العام السابق. هذا يشير إلى أن الاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية يمكن أن تقلل بشكل كبير من تأثير الرسوم الجمركية.

بالإضافة لعمليات الإعفاء، ساهمت ممارسات التحايل على الرسوم، مثل التلاعب ببيانات المنشأ والقيمة في نماذج الجمارك، في خفض المعدل الفعلي. على الرغم من أن هذه الممارسات غير قانونية، إلا أنها قد تكون منتشرة في بعض الحالات، مما يعقد جهود تطبيق الرسوم الجمركية بشكل فعال.

العبء الأكبر على الشركات والمستهلكين الأميركيين

تظهر البيانات أن العبء الأكبر من الرسوم الجمركية لم يقع على الشركات الأجنبية، كما كانت الإدارة الأميركية تزعم، بل على الشركات والمستهلكين الأميركيين أنفسهم. تشير التقديرات إلى أن حوالي 94٪ من تكلفة الرسوم الجمركية في عام 2025 انتقلت مباشرة إلى الشركات الأميركية، مقارنة بحوالي 80٪ خلال جولة الرسوم على الصين في الفترة 2018-2019. هذا يعني أن الشركات الأميركية اضطرت إلى امتصاص معظم تكلفة الرسوم الجمركية، أو تمريرها إلى المستهلكين في شكل أسعار أعلى.

على الرغم من أن الرسوم الجمركية أدت إلى إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، وانخفاض حصة الصين في الواردات الأميركية إلى 8٪ فقط، إلا أن التكلفة الأساسية وقعت على عاتق الشركات والمستهلكين داخل الولايات المتحدة، وليس الموردين الأجانب. هذا يثير تساؤلات حول فعالية الرسوم الجمركية كأداة لتحقيق أهداف تجارية مستدامة.

وعود لم تتحقق

في الثاني من أبريل/نيسان 2025، أعلن الرئيس ترامب عن ما وصفه بـ”رسوم يوم التحرير”، واعدًا بأنها ستعيد رسم الاقتصاد الأميركي. لكن في نهاية عام 2025، تشير البيانات إلى أن معظم هذه الوعود لم تتحقق. فقد شهد قطاع التصنيع تباطؤًا، وارتفع الدين الوطني، ولم يتحقق النمو الاقتصادي المتوقع.

وتشير التقديرات إلى أن النمو الاقتصادي السنوي سيبلغ حوالي 3٪ في عام 2025، وهو تحسن محدود مقارنة بـ 2.8٪ في عام 2024. هذا الأداء يعتمد بشكل كبير على الإنفاق الاستهلاكي الداخلي، وليس على أثر مباشر للرسوم الجمركية.

من المتوقع أن تستمر الحكومة الأميركية في تقييم أثر الرسوم الجمركية على الاقتصاد، مع التركيز على تحديد الإجراءات اللازمة لتخفيف الأثر السلبي المحتمل على الشركات والمستهلكين. سيراقب الخبراء عن كثب التطورات في المفاوضات التجارية مع الدول الأخرى، والجهود المبذولة لتحقيق توازن في الميزان التجاري. من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت الإدارة الأميركية ستعيد النظر في سياسة الرسوم الجمركية الحالية، ولكن من المؤكد أن هذا الموضوع سيظل محور اهتمام في الأشهر المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى