اقتصاد

ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا يعيد الفحم إلى الواجهة

وسط مخاوف متزايدة بشأن أمن الطاقة في أوروبا نتيجة التوترات الجيوسياسية، بدأ الفحم يعود تدريجياً إلى الواجهة كخيار بديل لتوليد الكهرباء مع ارتفاع أسعار الغاز وتعطل بعض الإمدادات العالمية. يشهد سوق الطاقة تحولاً ملحوظاً، حيث يواجه المستهلكون والمنتجون على حد سواء تحديات جديدة في تأمين مصادر الطاقة اللازمة.

وأظهرت بيانات سوق الطاقة أن أسعار الفحم الحراري المستخدم في محطات توليد الكهرباء ارتفعت بنحو 20% منذ تصاعد الأزمة الإقليمية، لتصل إلى نحو 135 دولارًا للطن. هذا الارتفاع يعكس اندفاع بعض الدول نحو البحث عن بدائل للغاز الطبيعي، في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الإمدادات.

عودة الفحم: هل هي مجرد حل مؤقت؟

غالباً ما تتحرك أسعار الطاقة بشكل متزامن، إذ يمكن للفحم والغاز أن يحلا محل بعضهما في توليد الكهرباء. ومع ارتفاع أسعار الغاز العالمية، أصبح تشغيل بعض محطات الفحم أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية في عدد من الدول الأوروبية. ومع ذلك، يرى خبراء الطاقة أن هذه العودة قد تكون محدودة.

وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، من المرجح أن يأتي ارتفاع أسعار الفحم هذه المرة محدوداً مقارنة بالقفزة الحادة التي شهدتها الأسواق في عام 2022. يعود ذلك إلى أن قدرة توليد الكهرباء من الفحم في أوروبا تراجعت خلال السنوات الماضية نتيجة سياسات التحول الطاقي.

تراجع القدرة الإنتاجية لمحطات الفحم

تشير تقديرات مؤسسة “آي سي آي إس” إلى أن الطاقة الإنتاجية لمحطات الفحم في القارة انخفضت بنحو 40%. كما أغلقت بريطانيا آخر محطة كهرباء تعمل بالفحم في عام 2024، مما يقلل من الخيارات المتاحة للاعتماد على هذا المصدر.

في المقابل، تبدو الإمدادات العالمية للفحم أقل تعرضاً للضغوط مقارنة بعام 2022. تحتفظ عدة دول بمخزونات كبيرة، بينما تواصل الصين -أكبر منتج ومستهلك للفحم في العالم- توسيع أو إعادة تشغيل بعض طاقاتها التعدينية. هذا التوازن في العرض والطلب قد يحد من ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

ورغم أن الفحم يعد أحد أكثر مصادر الطاقة تلويثاً، فإن الضغوط الاقتصادية قد تدفع بعض الدول إلى استخدامه مؤقتاً في ظل ارتفاع أسعار الغاز والوقود الأخرى. هذا التوجه يثير قلقاً بشأن الأهداف المناخية والتزامات خفض الانبعاثات.

الإمدادات العالمية وتأثيرها على أسعار الفحم

في هذا السياق، كانت إندونيسيا، أحد أكبر مصدري الفحم في العالم، قد تعهدت سابقاً بخفض صادراتها بما يعادل نحو عُشر الشحنات البحرية العالمية. غير أن ارتفاع الأسعار قد يدفعها إلى التراجع عن هذه الخطوة لتعزيز عائداتها، مما قد يؤثر على ديناميكيات السوق.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي على الفحم بلغ مستوى قياسياً في عام 2025، حيث ارتفع بنحو 0.5% ليصل إلى 8.85 مليارات طن، مدفوعاً بزيادة استهلاك الكهرباء في عدة اقتصادات كبرى. هذا الارتفاع في الطلب يعكس التحديات التي تواجهها الدول في تأمين مصادر الطاقة اللازمة لتلبية احتياجاتها المتزايدة.

ورغم أن الوكالة تتوقع أن يبدأ الطلب العالمي على الفحم في التراجع أو الاستقرار بحلول عام 2030 مع توسع الطاقة المتجددة والطاقة النووية ووفرة الغاز الطبيعي، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يبطئ هذا المسار. أسعار الطاقة بشكل عام تتأثر بشكل كبير بالظروف السياسية والاقتصادية العالمية.

وفي أوروبا، أظهرت بيانات مركز “إمبر” لأبحاث الطاقة أن الكهرباء المولدة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية تجاوزت للمرة الأولى في عام 2025 تلك المنتجة من الوقود الأحفوري، إذ شكلت نحو 30% من إجمالي الكهرباء في الاتحاد الأوروبي مقابل 29% من الفحم والغاز والنفط. هذا التحول يعكس التقدم الذي أحرزته أوروبا في مجال الطاقة المتجددة.

لكن في ظل الاضطرابات الحالية في أسواق الطاقة العالمية، يرى محللون أن الفحم قد يحتفظ بدور احتياطي في مزيج الطاقة الأوروبي، خاصة إذا استمرت أسعار الغاز في الارتفاع أو تعثرت إمداداته. الطاقة النظيفة لا تزال تواجه تحديات في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بشكل كامل.

من المتوقع أن تستمر أسواق الطاقة في التقلب خلال الأشهر القادمة، مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على الإمدادات والأسعار. سيراقب المراقبون عن كثب تطورات الأوضاع في إيران وتأثيرها على أسعار النفط والغاز، بالإضافة إلى قرارات الدول الأوروبية بشأن الاعتماد على الفحم كحل مؤقت. من المرجح أن يتم اتخاذ قرارات حاسمة بحلول نهاية عام 2026 بشأن مستقبل مزيج الطاقة في أوروبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى