مقالات

“المياه القلوية”.. فوائد حقيقية أم خدعة تسويقية؟

خلال السنوات الأخيرة، اكتسب مصطلح “المياه القلوية” (Alkaline Water) شعبية متزايدة في الأوساط الصحية والتسويقية، حيث يتم الترويج لها على نطاق واسع بفوائد صحية متنوعة. تشمل هذه الفوائد تحسين الطاقة، وتعزيز الترطيب، وحتى المساعدة في مكافحة الأمراض المزمنة. لكن هل هذه الادعاءات مدعومة بأدلة علمية قوية، أم أنها مجرد استغلال لرغبة الناس في تحسين صحتهم؟ هذا المقال يستعرض الحقائق العلمية حول المياه القلوية.

تزايد الاهتمام بالمياه القلوية دفع العديد من الشركات إلى إنتاجها وتسويقها بأسعار مرتفعة، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المنتجات تستحق الاستثمار أم لا. تعتمد هذه الصناعة على وعود بتحسين الصحة العامة، ولكن من الضروري فحص هذه الوعود بعين ناقدة.

المياه القلوية: السر في الرقم الهيدروجيني

يعتمد تصنيف الماء كـ “قلوي” على قياس درجة الحموضة (pH)، المعروف أيضًا بالرقم الهيدروجيني. يقيس هذا المقياس توازن الحموضة والقلوية في السائل، ويتراوح بين 0 و 14، حيث 7 هو الرقم المتعادل. أي رقم أعلى من 7 يشير إلى القلوية، بينما يشير الرقم الأقل من 7 إلى الحمضية.

توصي وكالة حماية البيئة الأمريكية بأن تتراوح درجة حموضة مياه الشرب بين 6.5 و 8.5، مع متوسط يبلغ 7.5 في معظم الحالات. يمكن أن يصبح الماء قلويًا بشكل طبيعي عن طريق مروره عبر الصخور التي تحتوي على معادن قلوية، أو يمكن إنتاجه صناعيًا من خلال عملية التحليل الكهربائي.

كيف يتم إنتاج المياه القلوية صناعياً؟

التحليل الكهربائي هو عملية يتم فيها تمرير تيار كهربائي عبر الماء النقي، مما يؤدي إلى فصله إلى مكونين: ماء قلوي يحتوي على معادن مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم، وماء حمضي. يتم بعد ذلك تعبئة الماء القلوي في زجاجات وبيعه للمستهلكين.

الادعاءات الصحية الشائعة وما يقوله العلم

تُروج الإعلانات للمياه القلوية على أنها توفر ترطيبًا أفضل من الماء العادي، بالإضافة إلى تحسين الهضم وتقليل الحموضة، وحتى المساعدة في الوقاية من بعض الأمراض. ومع ذلك، تؤكد الخبيرة في التغذية سالومي كروغر من جامعة نورث ويست في جنوب أفريقيا أن هذه الادعاءات تفتقر إلى الأدلة العلمية القوية.

تشير دراسة نشرتها مجلة الجمعية الدولية للتغذية الرياضية (JISSN) عام 2016 إلى أن شرب الماء القلوي قد يقلل من لزوجة الدم بعد التمرين، لكنه لم يظهر أي تحسن كبير في الترطيب الكلي مقارنة بالماء العادي. وبالتالي، لا يوجد دليل قاطع على أن الماء القلوي يرطب الجسم بشكل أفضل.

فيما يتعلق بتقليل الحموضة، يوضح خبراء من جامعة هارفارد أن الماء القلوي قد يوفر راحة مؤقتة من حرقة المعدة الناتجة عن الارتجاع الحمضي، لكنهم يؤكدون أن هناك خيارات علاجية أكثر فعالية متاحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تأثير الماء القلوي على حموضة المعدة مؤقت، حيث يعيد الجسم توازن الحموضة بسرعة.

أما بالنسبة لادعاءات تعزيز مستويات الطاقة والوقاية من الأمراض المزمنة، فقد أظهرت الأبحاث أن هذه الادعاءات غير مدعومة علميًا. تشير مراجعة علمية نُشرت عام 2016 إلى عدم وجود أدلة قوية تربط بين شرب الماء القلوي والوقاية من السرطان أو أي مرض مزمن آخر.

تأثير الماء القلوي على الجسم

بمجرد وصول الماء القلوي إلى المعدة، يتعادل تأثيره القلوي بسبب حمضية سائل المعدة القوية (التي تتراوح عادة بين 1.5 و 3.5). يؤكد خبراء الصحة أن الجسم لديه آليات طبيعية للحفاظ على توازن الحموضة والقلوية، وأن شرب الماء القلوي لا يغير هذا التوازن بشكل كبير.

تشير التقديرات الحالية إلى أن سوق المياه القلوية سيستمر في النمو خلال السنوات القادمة، مدفوعًا بالطلب المتزايد من المستهلكين المهتمين بالصحة. ومع ذلك، من المهم أن يكون المستهلكون على دراية بالحقائق العلمية وأن يتخذوا قرارات مستنيرة بشأن مشترياتهم.

من المتوقع أن تقوم الهيئات التنظيمية في مختلف البلدان بمراجعة معايير جودة مياه الشرب في ضوء هذه التطورات. كما أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث العلمية لتقييم الفوائد والمخاطر المحتملة للمياه القلوية بشكل كامل. يجب على المستهلكين متابعة التطورات في هذا المجال والاعتماد على مصادر معلومات موثوقة لاتخاذ قرارات صحية سليمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى