بريطانيا والصين من جديد: شراكة محتملة يغلفها قلق إستراتيجي

يشهد المشهد السياسي والاقتصادي العالمي اهتماماً متزايداً بزيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين، والتي بدأت في 28 يناير 2026. وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الدقة، حيث تسعى بريطانيا إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الصين، وهو ما يلقي الضوء على أهمية العلاقات البريطانية الصينية في سياق التحولات الدولية الراهنة.
تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة، بما في ذلك التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وإعادة التموضع المستمر للدول الغربية في خريطة التحالفات. وتشمل الزيارة التي تستمر خمسة أيام لقاءات مع كبار المسؤولين الصينيين ووفد من ممثلي الأعمال البريطانيين يضم حوالي 60 شخصاً.
تطورات في السياسة البريطانية تجاه الصين
تعكس هذه الزيارة تحولاً في النهج البريطاني تجاه الصين، بعد فترة من التوتر والجدل حول قضايا حقوق الإنسان والأمن السيبراني. تسعى حكومة ستارمر إلى إيجاد توازن بين الحفاظ على المصالح الاقتصادية والتعامل بحذر مع المخاطر المحتملة.
وبحسب ما أوضحه الخبير في العلاقات الدولية ويل هاتون، فإن الزيارة فرصة اقتصادية كبيرة لبريطانيا، نظراً لأن الصين تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم وهي منافس رئيسي للولايات المتحدة. ويضيف أن هذه الزيارة تضع أوروبا أمام خريطة تحالفات دولية دقيقة تتطلب الموازنة بين المكاسب والمخاطر.
أجندة الزيارة والملفات المعروضة
تتركز أجندة الزيارة على تعزيز التعاون التجاري والاستثماري في مجالات مثل التكنولوجيا والطاقة الخضراء. كما من المتوقع مناقشة قضايا الأمن السيبراني، والتبادل التجاري، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة. تعتبر لندن أيضاً إنشاء آلية مشتركة لمواجهة الهجمات السيبرانية أولوية خلال المحادثات.
المخاوف البريطانية من النفوذ الصيني
على الرغم من الرغبة في تحسين العلاقات التجارية، لا يخفي السياسيون البريطانيون قلقهم بشأن تزايد النفوذ الصيني في بعض القطاعات الحيوية. ويحذر النائب إيان دنكن سميث من أن الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والمرافق الاستراتيجية قد تمثل تهديداً للأمن القومي.
ويشير سميث إلى أن إغراق الأسواق البريطانية بالمنتجات الصينية الرخيصة قد يؤثر سلباً على الصناعات المحلية، ويتطلب ذلك سياسات حمائية أكثر. لكنه يقر أيضاً بأهمية الحفاظ على علاقات مفتوحة مع الصين، نظراً لأهميتها الاقتصادية والسياسية العالمية.
الموازنة بين الانفتاح الاقتصادي والحذر الأمني
تتبنى الحكومة البريطانية سياسة “براغماتية وواثقة” في تعاملها مع الصين، بحسب ما صرح به وزير الأمن البريطاني دان جافيس. وتقوم هذه السياسة على الانخراط مع الصين في المجالات التي تخدم المصالح البريطانية، مع الاستعداد لمواجهة أي تحديات محتملة. بالإضافة إلى ذلك، تتواكب هذه السياسة مع استثمارات جديدة في مجال الدفاع والأمن القومي، بهدف تعزيز القدرات البريطانية في مواجهة التهديدات المختلفة.
وتعتبر لندن أن التعاون مع الصين ضروري لمواجهة التحديات العالمية مثل تغير المناخ والأوبئة. لكنها تشدد أيضاً على أهمية الدفاع عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الصين.
من المتوقع أن تشهد العلاقات البريطانية الصينية مزيداً من التطور والتعقيد في المرحلة المقبلة. وستعتمد مسار هذه العلاقات على التطورات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وعلى قدرة الطرفين على إيجاد أرضية مشتركة لتحقيق المصالح المتبادلة. ومن الضروري مراقبة التطورات في هذا الملف عن كثب، خاصة فيما يتعلق بقضايا التجارة والأمن والتكنولوجيا.