مقالات

“الفُقع” هدية الشتاء الفلسطيني.. غذاء من الأرض وطقس متوارث

في أعقاب المنخفضات الجوية الأخيرة التي شهدتها الضفة الغربية، يتوجه الفلسطينيون شمالاً إلى الطبيعة لجمع الفقع أو الفطر البري، وهي ممارسة موسمية تقليدية تتجاوز مجرد هواية لتصبح جزءاً أصيلاً من نمط حياتهم ومورثهم الثقافي. هذا النشاط، الذي يربط الأجيال بتاريخهم وحياتهم، يوفر مصدر غذاء طبيعي ويجسد ارتباطهم الوثيق بأرضهم.

تعتبر هذه الممارسة جزءاً من تقاليد عريقة، حيث اعتمد الأجداد على خيرات الأرض في مواسمها المختلفة كمصدر رئيسي للرزق. ولا يقتصر الأمر على الجانب الغذائي، بل يمثل أيضاً فرصة للتواصل الاجتماعي وقضاء وقت ممتع في أحضان الطبيعة.

أحجام استثنائية من الفقع هذا الموسم

شهدت مناطق مختلفة في الضفة الغربية، وخاصة سلفيت، إنتاجاً وفيراً من الفقع هذا العام بأحجام غير اعتيادية. وقد تجاوز وزن بعض الحبات كيلوغرامين، مما أثار دهشة السكان المحليين.

يعزو خبراء البيئة هذا الوفرة إلى الأمطار الغزيرة والمنخفضات الجوية المتتالية التي خلقت بيئة رطبة ومثالية لنمو الفطر. وتعدّ سلفيت، بفضل تضاريسها الجبلية وتربتها الغنية، من أكثر المناطق ملاءمة لإنتاج الفقع.

دور البيئة في نمو الفطر

يشير الباحث البيئي مفيد جلغوم إلى أن الفطر ينمو في بيئات رطبة وغنية بالمواد العضوية، وغالباً ما يرتبط بأشجار البلوط. تُعد الرطوبة الناتجة عن الأمطار والمنخفضات الجوية العامل الرئيسي في نموه وازدهاره.

ويوضح جلغوم أن الفطر ليس نباتاً ولا حيواناً، بل يمثل عائلة بيولوجية مستقلة بذاتها، وأن هناك الآلاف من الأنواع المختلفة، بعضها صالح للاستهلاك البشري وبعضها الآخر سام.

الفقع: بين الموروث الثقافي والجدوى الاقتصادية

يتجاوز جمع الفقع كونه نشاطاً موسمياً، ليصبح جزءاً من الهوية الثقافية الفلسطينية. ويشار إليه محلياً بأسماء مختلفة، مثل “الفقع” في جنين و”فطاريش” في الجليل، مما يعكس التنوع المحلي.

يعتبر الفقع، تاريخياً، “لحمة الفقير” لشعبه نظراً لقيمته الغذائية العالية واحتوائه على البروتينات، بالإضافة إلى أنه كان متوفراً مجاناً في الطبيعة.ولا يزال يُنظر إليه بهذه الطريقة في العديد من المجتمعات الريفية.

إلى جانب الجانب الثقافي، يوفر الفقع مصدراً للدخل للعديد من العائلات في قرى سلفيت. حيث يقوم الشباب بجمعه وبيعه في الأسواق المحلية، مما يساعدهم على تلبية احتياجاتهم المعيشية. ويصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى ما يقارب 8 دولارات.

أنواع الفطر البري وأهمية الحذر

توجد أنواع متعددة من الفطر البري في فلسطين، وأكثرها شيوعاً “السندي” و”زُقم العجل”. ينصح الخبراء بضرورة توخي الحذر عند جمع الفطر، والتمييز بين الأنواع الصالحة للأكل والأنواع السامة، مؤكدين أن الخبرة والمعرفة تساعدان على تجنب المخاطر.

ويستعرض السكان المحليون طرقًا تقليدية لتحديد الأنواع الآمنة، معتمدين على اللون والشكل والموقع. ومع ذلك، لا يزال الحذر ضرورياً لتجنب التسمم.

على الرغم من الفرحة بإنتاجية هذا العام، إلا أن مستقبل جمع الفقع يواجه تحديات كبيرة في ظل التوسع الاستيطاني والقيود الإسرائيلية المتزايدة. تلتهم المستوطنات المزيد من الأراضي، مما يهدد المناطق التي ينمو فيها الفطر. وتعيق القيود العسكرية وصول الفلسطينيين إلى هذه المناطق.

من المتوقع أن تتخذ وزارة الزراعة الفلسطينية خطوات لتوثيق وحماية هذه الموارد الطبيعية الثمينة، وتشجيع المزارعين على تبني ممارسات مستدامة في جمعه. بالإضافة إلى ذلك، من الضروري زيادة الوعي بأهمية هذا الموروث الثقافي والبيئي، وحشد الدعم لحمايته من التهديدات المتزايدة. ستكون متابعة جهود حماية الأراضي الزراعية والبيئة الفلسطينية بالغة الأهمية في الأشهر المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى