كيف تغيّر بعض المضادات الحيوية سلوك الخلايا المناعية في الجسم؟

كشفت دراسة حديثة أن فئة من الأدوية، وهي المضادات الحيوية، قد تؤثر على طريقة عمل الخلايا المناعية في الجسم، وتحديدًا البلاعم، بدلًا من قتل البكتيريا مباشرةً. أجرى البحث فريق من جامعة لانكستر، ويشير إلى أن هذه المضادات الحيوية، وبالتحديد الفلوروكينولونات، قادرة على تعديل وظائف البلاعم لتعزيز قدرتها على التخلص من العدوى. هذا الاكتشاف له آثار مهمة على فهمنا لكيفية تفاعل الأدوية مع جهاز المناعة، خاصة في الرئتين.
نُشرت نتائج الدراسة في 23 يناير 2026، وتلقي الضوء على آليات جديدة قد تفسر فعالية بعض المضادات الحيوية في علاج الالتهابات الرئوية. وفقًا للباحثين، فإن هذه الآلية تتضمن تغييرًا في عملية الأيض داخل البلاعم، مما يجعلها أكثر كفاءة في مكافحة البكتيريا. تأتي هذه النتائج في وقت يزداد فيه القلق بشأن مقاومة المضادات الحيوية وتأثيرها على الصحة العامة.
تأثير الفلوروكينولونات على الخلايا المناعية
تركز الدراسة على الفلوروكينولونات، وهي مجموعة شائعة من المضادات الحيوية المستخدمة لعلاج مجموعة متنوعة من الالتهابات البكتيرية. أظهرت النتائج أن هذه الأدوية لا تقتل البكتيريا داخل البلاعم، بل تعمل على تحفيزها وتعديل وظائفها. هذا التحفيز يتم من خلال زيادة مستويات إنزيم أكسيد النيتريك inducible (iNOS)، الذي يلعب دورًا حاسمًا في قتل البكتيريا.
أشار الدكتور جون وورثينغتون، الباحث الرئيسي في الدراسة، إلى أن الأبحاث السابقة غالبًا ما ركزت على التأثيرات المباشرة للمضادات الحيوية على البكتيريا، مما جعل من الصعب تحديد تأثيرها على جهاز المناعة. ولكن من خلال دراسة الخلايا المناعية في الرئة والأمعاء في غياب العدوى، تمكن الفريق من ملاحظة هذا التأثير الفريد.
آلية عمل البلاعم وتأثير المضادات الحيوية
البلاعم هي خلايا مناعية أساسية تتواجد في الرئتين والأمعاء، وهي مسؤولة عن التخلص من البكتيريا والخلايا الميتة. تعمل هذه الخلايا عن طريق ابتلاع البكتيريا (البلعمة) وإنتاج مواد سامة لقتلها. الميتوكوندريا، وهي عضيات داخل الخلايا مسؤولة عن إنتاج الطاقة، تلعب دورًا مهمًا في هذه العملية.
وفقًا للدراسة، فإن الفلوروكينولونات لا تتلف الميتوكوندريا، بل تضعها تحت الضغط، مما يؤدي إلى تغيير في عملية الأيض الخلوي. هذا التغيير يعزز قدرة البلاعم على إنتاج أكسيد النيتريك، وهو جزيء سام للبكتيريا.
أكد الدكتور أليكس هاردغريف، أحد المؤلفين الرئيسيين في الدراسة، أن هذا التأثير لوحظ أيضًا في التجارب المعملية، حيث أظهرت البلاعم المعالجة بالمضادات الحيوية تحسنًا ملحوظًا في قدرتها على ابتلاع البكتيريا. هذا يؤكد أن التأثير الملحوظ ليس مجرد نتيجة لظروف معينة في الجسم الحي، بل هو تأثير مباشر للمضاد الحيوي على البلاعم.
ومع ذلك، يذكر الباحثون أن استخدام المضادات الحيوية قد يكون له آثار جانبية سلبية، مثل تعطيل الميكروبيوم الطبيعي للجسم. الدكتورة ميغان دولي، المشاركة في الدراسة، أشارت إلى أن الآثار الجانبية طويلة الأمد للفلوروكينولونات قد تشمل فقدان الوزن وتلف الأوتار، وربما تكون مرتبطة بتلف الميتوكوندريا.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الالتهاب غير المنضبط الناتج عن تحفيز البلاعم قد يضر بأنسجة الجسم السليمة. لذلك، يحذر الدكتور وورثينغتون من أن الجمع بين التأثير المباشر على البكتيريا ودعم وظيفة البلاعم قد لا يكون دائمًا مثاليًا، ويتطلب تقييمًا دقيقًا للمخاطر والفوائد.
تعتبر مقاومة المضادات الحيوية تحديًا عالميًا متزايدًا، مما يجعل من الضروري تطوير استراتيجيات علاجية جديدة. تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة لفهم كيفية استخدام المضادات الحيوية بشكل أكثر فعالية وأمانًا، من خلال استهداف جهاز المناعة بالإضافة إلى البكتيريا نفسها.
في المستقبل القريب، يخطط الباحثون لإجراء المزيد من الدراسات لتحديد أنواع البكتيريا التي تستجيب بشكل أفضل لهذا النوع من العلاج، ولتقييم الآثار طويلة الأمد لتحفيز البلاعم باستخدام المضادات الحيوية. من المتوقع أن تتوفر نتائج هذه الدراسات في غضون عامين، مما قد يؤدي إلى تغييرات في الممارسات السريرية الحالية. من المهم أيضًا مراقبة ظهور أي آثار جانبية غير متوقعة مرتبطة بهذا النهج العلاجي الجديد.