الراتب لا يشتري راحة البال.. لماذا يفضل الموظفون “الاحترام” على زيادة الأجور؟

في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة، ويقضي فيه الإنسان أكثر من ثلث عمره في أماكن العمل، لم يعد العمل مجرد وسيلة لتأمين لقمة العيش، بل غدا عاملاً حاسماً في تشكيل الهوية والاستقرار النفسي. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يزاول نحو 60% من سكان العالم عملاً، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في العمل بحد ذاته، بل في الحفاظ على الصحة النفسية في العمل والتوازن الذهني وسط بيئات عمل متزايدة الضغط والتعقيد.
العمل اللائق.. أكثر من مجرد راتب
من المفترض أن يشكل العمل اللائق درعاً واقياً للصحة النفسية في العمل؛ إذ يوفر دخلاً مستقراً، ويمنح الفرد شعوراً بالهدف والإنجاز، فضلاً عن دوره في تعزيز الاندماج الاجتماعي. وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، يمثل العمل عنصراً محورياً في مسار التعافي واستعادة الثقة بالنفس. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا يحدث عندما تتحول بيئة العمل من مصدر دعم إلى عبء نفسي؟
تشير نتائج استطلاع أجرته منظمة الصحة النفسية الأمريكية (MHA) عام 2024، وشمل قرابة 4000 موظف في 21 قطاعاً مختلفاً، إلى أن ثقافة مكان العمل القائمة على الثقة تظل العامل الأهم في تعزيز رفاهية الموظفين. إلا أن هذه النتائج تكشف في الوقت ذاته عن فجوات مقلقة، تبدو أكثر وضوحاً لدى الأجيال الشابة.
الأجيال الشابة في مواجهة “المغناطيس النفسي”
تكشف دراسة حديثة لعام 2024 عن ما يمكن وصفه بـ”الفجوة الجيلية” في الصحة النفسية في العمل، إذ سجل موظفو الجيل زد وجيل الألفية أدنى مؤشرات الصحة النفسية مقارنة بالأجيال الأكبر سناً. ويُعزى ذلك إلى ظاهرة يمكن تسميتها بـ”المغناطيس النفسي”، حيث لا تبقى ضغوط العمل محصورة في ساعات الدوام، بل تنجذب لتلتصق بتفاصيل الحياة الشخصية.
وأفاد نحو 7 من كل 10 موظفين من الجيل زد بحصولهم على درجات “غير صحية” في مقاييس صحة بيئة العمل، بينما أشار 90% من العاملين في بيئات غير داعمة إلى أن ضغوط الوظيفة أثرت سلباً في جودة نومهم وأضعفت علاقاتهم الأسرية. إنها أشبه بـ”كهرباء ساكنة” وظيفية تجذب التوتر وتغرسه في النسيج اليومي لحياة الموظف، ما يجعل الفصل بين العمل والمنزل تحدياً حقيقياً، إن لم يكن معركة خاسرة، لكثيرين.
المخاطر النفسية والاجتماعية
يمكن تعميم المخاطر التي تهدد الصحة النفسية في العمل تحت مسمى “المخاطر النفسية والاجتماعية”. هذه المخاطر لا تؤثر فقط على الفرد، بل تنعكس سلباً على الإنتاجية في العمل كذلك. وبناءً على البيانات والتقارير الحديثة، يمكن رصد أبرز هذه العوامل:
- تضارب المهام والمهارات: نقص التدريب الكافي أو تكليف الموظف بأعباء تفوق طاقته وتتجاوز مهاراته الحقيقية.
- الاحتراق الوظيفي: ساعات العمل الطويلة، العمل في أوقات غير مرنة، أو وتيرة العمل المفرطة التي لا تترك مجالاً للراحة.
- الثقافة السلبية وسوء الإدارة: الإدارة التفصيلية (Micromanagement)، غياب التقدير، أو وجود ثقافة تكرس السلوكيات السلبية مثل التنمر والإقصاء.
- انعدام الأمان الوظيفي: القلق الدائم من فقدان الوظيفة، أو عدم كفاية الأجور، وضعف الاستثمار في التطور المهني.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز مفهوم الإجهاد في العمل كأحد التحديات الرئيسية التي تواجه الموظفين في مختلف القطاعات. ويؤدي الإجهاد المزمن إلى تدهور الصحة النفسية والجسدية، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة ويقلل من جودة الحياة.
السلامة النفسية.. المفتاح المفقود
وفقاً لاستطلاع منظمة “الصحة النفسية الأمريكية”، تبرز السلامة النفسية كأهم محرك لتمكين الموظفين. الموظفون الذين يشعرون بالأمان النفسي هم أكثر قدرة بنسبة 87% على الدفاع عن احتياجاتهم أو احتياجات زملائهم. الصادم في الأمر هو أن 63% فقط من الموظفين أفادوا بأنهم يشعرون بالثقة في التعبير عن آرائهم داخل فرقهم، و60% يشعرون بأنهم لا يستطيعون التصرف على طبيعتهم في العمل، مما يضطرهم لارتداء “أقنعة وظيفية” تستهلك طاقتهم النفسية.
إن بناء بيئة عمل صحية يتطلب جهوداً متضافرة من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك أصحاب العمل والمديرين والموظفين أنفسهم. يجب على أصحاب العمل توفير الموارد والدعم اللازمين لتعزيز رفاهية الموظفين، بينما يجب على المديرين خلق ثقافة عمل إيجابية وداعمة. أما الموظفون، فيجب عليهم أيضاً تحمل مسؤولية صحتهم النفسية والبحث عن المساعدة عند الحاجة.
في نهاية المطاف، تؤكد البيانات أن أماكن العمل الصحية التي تقود بالثقة والدعم لا تؤدي إلى تحسين مزاج الموظفين فحسب، بل تضمن استدامة المؤسسة ذاتها. إن بناء بيئة عمل تدعم النفس البشرية ليس رفاهية، بل هو حق أساسي وضرورة اقتصادية حتمية. وفي النهاية يبقى الاستثمار في الموظف هو الربح الحقيقي.
من المتوقع أن تصدر وزارة العمل تقريراً مفصلاً حول حالة الصحة النفسية في أماكن العمل بحلول نهاية الربع الأول من عام 2026، والذي قد يتضمن توصيات بشأن السياسات والإجراءات اللازمة لتحسين رفاهية الموظفين. من المهم أيضاً مراقبة التطورات التشريعية المتعلقة بحقوق العمال وصحتهم النفسية، حيث قد يتم تقديم قوانين جديدة تهدف إلى حماية الموظفين من الإجهاد والتحرش في العمل.