مراجعة علمية واسعة تربط بين بكتيريا الأمعاء ومرض الزهايمر

أظهرت مراجعة بحثية حديثة وشاملة أن اختلال توازن ميكروبيوم الأمعاء (بكتيريا الأمعاء) قد يلعب دوراً محورياً في تطور الضعف الإدراكي البسيط ومرض الزهايمر. الدراسة، التي قادها فريق من كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة جورج واشنطن، حللت بيانات من 58 دراسة بشرية، مما يوفر رؤى جديدة حول العوامل التي تؤثر على صحة الدماغ. تشير النتائج إلى وجود ارتباط بين تركيبة بكتيريا الأمعاء والتدهور الإدراكي.
نُشرت نتائج هذه المراجعة في مجلة Alzheimer’s & Dementia في 24 يناير 2026، وتأتي في وقت يزداد فيه عدد المصابين بمرض الزهايمر عالمياً، حيث يقدر عدد الحالات بحوالي 50 مليون شخص. تسعى الأبحاث إلى فهم أفضل للعوامل البيولوجية التي تساهم في هذا المرض، مع التركيز المتزايد على دور محور الأمعاء-الدماغ-الجهاز المناعي.
دور ميكروبيوم الأمعاء في التدهور الإدراكي
لطالما سعى العلماء إلى تحديد الأسباب الكامنة وراء فقدان الذاكرة وتراجع القدرات الإدراكية. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن محور الميكروبيوم–الأمعاء–الدماغ، وهو نظام معقد يربط بين الأمعاء والجهاز المناعي والدماغ، قد يكون له تأثير كبير على الالتهاب العصبي وتلف الخلايا العصبية، وهما عاملان رئيسيان في تطور مرض الزهايمر.
بصمات ميكروبية مميزة
كشفت المراجعة عن اختلافات ملحوظة في تركيبة بكتيريا الأمعاء بين الأفراد الأصحاء وأولئك الذين يعانون من الضعف الإدراكي البسيط أو مرض الزهايمر. لاحظ الباحثون أن مرضى الزهايمر يميلون إلى امتلاك مستويات أعلى من بعض أنواع البكتيريا، مثل Pseudomonadota وActinomycetota، مقارنة بكبار السن الأصحاء.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسة انخفاضاً في التنوع الميكروبي لدى بعض المرضى، وهو ما يعتبر مؤشراً على عدم التوازن في بيئة الأمعاء. هذا التنوع المحدود قد يقلل من قدرة الأمعاء على أداء وظائفها بشكل صحيح، مما يؤثر سلباً على صحة الدماغ.
تغيرات في وظائف البكتيريا
لم تقتصر الاختلافات على التركيب البكتيري فحسب، بل امتدت أيضاً إلى وظائف هذه البكتيريا. أظهرت النتائج وجود تغييرات في نشاط بعض المسارات الحيوية لدى المصابين بمرض الزهايمر، وخاصة تلك المتعلقة بإنتاج الطاقة وتنظيم الجهاز المناعي. هذه التغييرات قد تساهم في فهم أعمق للعلاقة بين صحة الأمعاء وصحة الدماغ، وربما توفر أهدافاً جديدة للعلاج.
الالتهاب العصبي والتواصل بين الأمعاء والدماغ
تعتبر الالتهابات العصبية من العوامل الرئيسية المساهمة في تلف الخلايا العصبية وتطور مرض الزهايمر. تشير الأبحاث إلى أن اختلال توازن ميكروبيوم الأمعاء يمكن أن يؤدي إلى زيادة نفاذية الأمعاء، مما يسمح بمرور المواد الالتهابية إلى مجرى الدم والدماغ. هذا يمكن أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا المناعية في الدماغ، مما يسبب الالتهاب العصبي.
علاوة على ذلك، يمكن أن يؤثر ميكروبيوم الأمعاء على إنتاج النواقل العصبية، وهي مواد كيميائية تلعب دوراً حاسماً في التواصل بين الخلايا العصبية. التغيرات في مستويات النواقل العصبية يمكن أن تؤثر على الذاكرة والتعلم والمزاج.
الخطوات التالية والآفاق المستقبلية
أكدت لي فريم، الباحثة الرئيسية في الدراسة، أن هذه النتائج تمثل خطوة أولى مهمة نحو فهم أفضل لكيفية تأثير صحة الأمعاء على التدهور الإدراكي. ومع ذلك، أوضحت أن معظم الأدلة الحالية تعتمد على دراسات رصدية، مما يستدعي إجراء تجارب سريرية لتحديد ما إذا كانت التدخلات الموجهة نحو الميكروبيوم يمكن أن تغير مسار المرض.
يجري حالياً إجراء العديد من التجارب السريرية حول العالم لاستكشاف إمكانية استخدام البروبيوتيك والبريبايوتيك والأنظمة الغذائية المتخصصة لتحسين صحة ميكروبيوم الأمعاء وتقليل خطر التدهور الإدراكي. من المتوقع أن تتوفر نتائج هذه التجارب في السنوات القليلة القادمة، مما قد يوفر رؤى جديدة حول العلاج والوقاية من مرض الزهايمر. بالإضافة إلى ذلك، يركز الباحثون على دراسة دور التغذية في تعديل ميكروبيوم الأمعاء وتعزيز صحة الدماغ.
في الختام، تشير هذه المراجعة البحثية إلى أن صحة الأمعاء قد تكون عاملاً مهماً في تطور مرض الزهايمر. على الرغم من أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتأكيد هذه النتائج وتحديد التدخلات الأكثر فعالية، إلا أن هذه الدراسة تفتح آفاقاً جديدة لفهم وعلاج هذا المرض المدمر. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تطورات كبيرة في هذا المجال، مع التركيز على تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية تستهدف ميكروبيوم الأمعاء.