من انهيار “السدّ” إلى “الخروج إلى البئر”.. كيف تغيّرت الدراما السورية بعد سقوط الأسد؟

في أواسط كانون الأول/ديسمبر 2024، شهدت دمشق تحولاً عميقاً يتجاوز استعادة حركتها الطبيعية، إذ طوت صفحة كاملة من تاريخها بعد تغيير سياسي أطاح بنظام الرئيس بشار الأسد وحرر البلاد من حكم عائلي دام ستة عقود. هذا الحدث لم يكن عابراً، بل أحدث ارتدادات واسعة على مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك الدراما السورية، التي لطالما كانت تعبيراً عن الهوية الثقافية والاجتماعية للبلاد.
تأثرت الدراما السورية بشكل كبير بالتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، حيث انتقلت من حالة الرقابة الشديدة والقيود المفروضة على المحتوى إلى مساحة أوسع من الحرية والتعبير. هذا التغيير أثر على طبيعة الأعمال الدرامية المنتجة، والموضوعات التي تتناولها، والأساليب المستخدمة في تقديمها.
كيف أثر اندلاع الثورة على الدراما السورية؟
قبل اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، كانت الدراما التلفزيونية تخضع لسيطرة ورقابة صارمة من قبل النظام، حيث كانت الأعمال الدرامية تُستخدم كأداة لترويج أيديولوجياته وتصويره بصورة إيجابية. وفقاً لمازن الناطور، نقيب الفنانين السوريين، كانت الدراما تعاني من “سدّ يحتجز كميات هائلة من المياه، ويسمح بعبور دفقات قليلة من الأفكار”.
مع تفاقم الأوضاع وتصاعد الاحتجاجات، اختارت بعض الجهات الإنتاجية الابتعاد عن السياسة والتركيز على أعمال ترفيهية خالية من أي مضمون سياسي. في المقابل، سعت أجهزة النظام إلى إنتاج مسلسلات تهدف إلى تصدير صورة غير واقعية عن الحياة في دمشق، وتبرير أفعاله. من بين هذه المسلسلات “لأنها بلادي” و”تحت سماء الوطن”، والتي لم تحظَ بمشاهدات كبيرة.
أشار الناطور إلى أن الدراما قبل التحرير كانت “مطية لخدمة النظام والسلطة القائمة بأي شكل من الأشكال”، وأن بعض الأعمال كانت تسوّق للنظام وتلمّع صورته بطرق خفية.
ما الذي تغير بعد سقوط نظام الأسد؟
بعد سقوط نظام الأسد، شهدت الدراما السورية تحولاً جذرياً، حيث اتسعت مساحة الحرية والتعبير، وأصبح من الممكن تناول موضوعات حساسة كانت محظورة في السابق. هذا التغيير أثر على طبيعة الخطاب الدرامي، وآليات العمل، والموضوعات التي تتناولها الأعمال الدرامية.
أصبح من الممكن الآن معالجة ملفات مثل الاعتقال، وبنية الأجهزة الأمنية، والفساد البنيوي، ومناقشة قضايا الذاكرة القريبة، والعدالة، والانتهاكات، والانقسام الاجتماعي. ومع ذلك، لا يزال هناك حدود معينة تهدف إلى منع لغة التحريض أو التشفي أو الإضرار بالسلم الأهلي.
وفقاً لرئيس اللجنة الوطنية للدراما، مروان الحسين، فإن التغيير لم يكن شكلياً فحسب، بل مسّ بنية الخطاب وآليات العمل معا. وأضاف أن العلاقة بين الدراما والسلطة تغيرت، وأن الدراما لم تعد مجرد أداة لخدمة النظام، بل أصبحت تعبيراً عن آراء ومشاعر المجتمع.
تجارب العهد الجديد للدراما السورية
شهدت الفترة الأخيرة إنتاج أعمال درامية جريئة تتناول قضايا حساسة مثل مجازر حماة وسجن صيدنايا. ومع ذلك، أثارت بعض هذه الأعمال جدلاً واسعاً وانتقادات من بعض الأطراف، مثل مسلسل “قيصر: لا مكان لا زمان”، الذي اتُهم بالمتاجرة بقضية المعتقلين والمفقودين.
على الرغم من هذه الانتقادات، يرى البعض أن هذه الأعمال تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق المصالحة الوطنية، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في الماضي. الدراما السورية الجديدة تسعى لتقديم محتوى يعكس الواقع المعاش، ويلامس قضايا المواطنين.
بالإضافة إلى ذلك، يشهد قطاع الإنتاج التلفزيوني دعماً متزايداً من قبل جهات عربية، مثل هيئة الترفيه السعودية، التي أبدت استعدادها لتقديم الدعم المالي واللوجستي لصناعة الدراما السورية.
كيف يبدو المستقبل؟
من المتوقع أن يستمر التغيير في الدراما السورية خلال السنوات القادمة، وأن تشهد المزيد من التطورات والابتكارات. الدراما التلفزيونية السورية قد تشهد عودة إلى مكانتها الرائدة في المنطقة، وتقديم أعمال درامية عالية الجودة تعكس الهوية الثقافية والاجتماعية للبلاد. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الحرية والتعبير، والمسؤولية الاجتماعية، والحفاظ على القيم الأخلاقية.
المرحلة القادمة ستشهد المزيد من الأعمال التي تتناول قضايا المجتمع السوري، وتساهم في عملية المصالحة الوطنية، وتعزيز الوحدة الوطنية. من المتوقع أيضاً أن تشهد الدراما السورية تعاوناً أكبر مع الفنانين والمخرجين من الدول العربية الأخرى، مما سيساهم في تبادل الخبرات والمعرفة، وتقديم أعمال درامية متنوعة ومبتكرة.