اقتصاد

من نفط فنزويلا إلى معادن غرينلاند.. استراتيجية أميركا للهروب من أزماتها

يشهد العالم تحولات جيوسياسية متسارعة، وتتصاعد المخاوف بشأن السياسات الخارجية للولايات المتحدة وتأثيرها على الاستقرار العالمي. فما تعيشه الولايات المتحدة اليوم لا يُختزل في أزمة سياسة خارجية، بل يعكس أزمة داخلية عميقة يجري تصديرها إلى الخارج، وتتفاقم بسبب السياسة الخارجية الأمريكية. مع اختناق الاقتصاد، وتآكل التماسك الاجتماعي، وتصاعد الشلل السياسي، يتحول العالم الخارجي إلى ساحة بديلة للهروب إلى الأمام وتأجيل مواجهة الفشل البنيوي في الداخل.

وفي هذا السياق، لم تعد السياسة الخارجية أداة لإدارة مصالح مستقرة، بل تحولت إلى وسيلة لصناعة التوتر والفوضى بوصفها أداة لإدارة الأزمة الداخلية نفسها. وهنا لا يظهر “العدو” كتهديد موضوعي قائم بذاته، بل كأداة سياسية تُصنَع وتُضخَّم عند الحاجة، ويُعاد من خلالها ربط الإخفاق الداخلي بخصم خارجي، مع شيطنة دول بعينها لتبرير التصعيد وتحويل الغضب الشعبي بعيدًا عن مراكز القرار.

أولاً: الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على السياسة الخارجية الأمريكية

تواجه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية متزايدة، تشمل ارتفاع الدين العام وتزايد التضخم. يُقدَّر إجمالي الدين الأميركي الحكومي وديون الشركات والأسر، بنحو 98 تريليون دولار، أي قرابة 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس اعتمادًا بنيويًا على الاقتراض. وبلغ الدين الفيدرالي نحو 38.4 تريليون دولار مع مطلع 2026 ويواصل الارتفاع بوتيرة متسارعة.

والعامل الأخطر هو كلفة خدمة هذا الدين، فالسنة المالية 2026 تبدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وخلال أول شهرين فقط تجاوزت مدفوعات الفائدة 170 مليار دولار، وهو رقم يقترب من إجمالي حصيلة الرسوم الجمركية لعام 2025، ما يعني استنزاف الإيرادات قبل أي إنفاق تنموي.

وعلى مستوى الأسر، بلغ الائتمان الاستهلاكي نحو 5.1 تريليون دولار بنهاية 2025، مع ديون بطاقات ائتمان تفوق 1.2 تريليون دولار في ظل فوائد مرتفعة، ما دفع الإدارة إلى طرح فكرة سقف للفائدة تحت ضغط الرأي العام.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الاقتصاد الأمريكي تحديات تتعلق بالتضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. ورغم تسجيل التضخم 2.7% في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، فإن كلفة المعيشة الفعلية أعلى بكثير، فأسعار الغذاء ارتفعت بين 5% و30%، وصار السكن عامل ضغط مستقل، إذ ارتفع الدخل اللازم لتحمّل الإيجار إلى 77011 دولارًا سنويًا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 وبقفزة 35.2% مقارنة بما قبل جائحة كورونا، ما استنزف دخل الطبقة الوسطى.

ثانياً: دوافع السياسة الخارجية الأمريكية وتصعيد التوترات

تتجه السياسة الخارجية الأمريكية نحو تصعيد التوترات مع دول معينة، مثل فنزويلا وغرينلاند وإيران وكولومبيا، وذلك لأسباب تتعلق بالسيطرة على الموارد الاستراتيجية والتأثير في التوازنات الجيوسياسية. ففي فنزويلا، على سبيل المثال، يهدف التدخل الأمريكي إلى السيطرة على أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتقويض تحالفاتها مع الصين وروسيا.

وفيما يتعلق بغرينلاند، تسعى الولايات المتحدة إلى السيطرة على موقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي، واحتياطياتها من المعادن النادرة، وذلك في إطار منافسة متزايدة مع الصين وروسيا. أما إيران، فتعتبر هدفًا رئيسيًا للسياسة الخارجية الأمريكية بسبب ثروتها النفطية، وموقعها الجغرافي، وبرنامجها النووي.

كولومبيا، بدورها، تشكل نقطة جذب للصين، مما يدفع الولايات المتحدة إلى محاولة الحفاظ على نفوذها في المنطقة. وتشترك هذه الدول في كونها ساحات للضغط الهادئ القابلة للتصعيد، حيث تعتمد الولايات المتحدة على أدوات اقتصادية وسياسية لتقويض مصالح المنافسين.

صناعة العدو وأدوات الضغط

وصف بيار كونسّا، المدير السابق للجنة الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، هذه الآلية بمفهوم “صناعة العدو”، حيث يُقدَّم الخصم باعتباره السبب المباشر للأزمة، لا انعكاسًا لها. لا تعتمد الولايات المتحدة على العقوبات أو القوة العسكرية وحدهما، بل على ضغط متدرّج ومدروس يُمارَس على دول تمتلك موارد أو مواقع ذات قيمة استراتيجية.

وتشمل هذه الأدوات العقوبات الاقتصادية، والتهديدات العسكرية، والتدخل في الشؤون الداخلية، ودعم المعارضة، بالإضافة إلى استخدام وسائل الإعلام لتشويه صورة الدول المستهدفة. وتعتمد فعالية هذه الأدوات على ضعف الدول المستهدفة داخليًا، وعدم تماسكها السياسي، وقدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية.

ثالثاً: التحديات الداخلية وتأثيرها على السياسة الخارجية الأمريكية

تتفاقم التحديات الداخلية في الولايات المتحدة، بما في ذلك الانقسام السياسي، وتراجع الثقة في المؤسسات، وتصاعد الغضب الشعبي. تراجع تأييد الرئيس الأميركي بوضوح تحت ضغط السياسات الاقتصادية وغلاء المعيشة؛ فوفق استطلاع غالوب، لا يوافق على أدائه سوى 36% من الأميركيين، بينما يرى 46% أن تكلفة المعيشة هي الأسوأ ويحملونه مسؤولية ارتفاع الأسعار.

هذا التراجع يعكس أزمة ثقة أوسع، إذ يعتقد 95% من الديمقراطيين و77% من المستقلين و29% من الجمهوريين أن البلاد تنحرف عن المسار الصحيح، ما يضعف قدرة الإدارة على الحكم. وتنعكس هذه التحديات الداخلية على السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تسعى الإدارة إلى تحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية، وإيجاد أعداء خارجيين لتبرير سياساتها.

وفي الختام، من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في اتباع سياسة خارجية تصعيدية في المرحلة المقبلة، وذلك في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية الداخلية المتزايدة. ومع ذلك، فإن فعالية هذه السياسة محل شك، وقد تؤدي إلى تفاقم التوترات العالمية، وزيادة المخاطر على الاستقرار الإقليمي والدولي. وما يجب مراقبته هو تطورات الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة، وتأثيرها على قرارات الإدارة في مجال السياسة الخارجية، بالإضافة إلى ردود أفعال الدول المستهدفة، وقدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى