اقتصاد

من البازار إلى الجامعات.. احتجاجات العملة والتضخم تختبر سياسات طهران

تشهد إيران تصاعدًا ملحوظًا في الاحتجاجات الشعبية، تتسع رقعتها من الأسواق إلى الجامعات، مما يعكس حالة من الاستياء العميق تجاه الأوضاع المعيشية المتدهورة والضغوط الاقتصادية المتزايدة. وتضع هذه التطورات الحكومة الإيرانية أمام اختبار حقيقي في التعامل مع هذه الاحتجاجات، خاصةً مع تبنيها مقاربة جديدة تسعى إلى الاستماع لمطالب المتظاهرين بدلًا من تجاهلها. ويعد الاحتجاج في إيران علامة دالة على عمق الأزمة التي تواجهها البلاد.

بدأت التحركات الاحتجاجية في سوق الهواتف المحمولة في طهران، وهو قطاع حساس للغاية لتأثيرات تقلبات أسعار الصرف. وسرعان ما امتدت هذه الاحتجاجات لتشمل جامعات رئيسية في أنحاء البلاد، مثل جامعة طهران، وجامعة الشهيد بهشتي، والجامعة الصناعية شريف، بالإضافة إلى جامعات أخرى في أصفهان ويزد، وفقًا لما ذكرته وكالة أنباء إيرنا الرسمية.

العملة المنهارة وتأثيراتها

يأتي هذا التصعيد الاحتجاجي في ظل انخفاض حاد في قيمة الريال الإيراني، حيث تجاوز سعر الدولار 1.4 مليون ريال في السوق الحرة، وهو رقم قياسي جديد. هذا الانهيار أدى إلى تفاقم الضغوط على التجار والطلاب على حد سواء، وزاد من حدة الأزمة الاقتصادية.

تزامن هذا الانهيار مع تغييرات في قيادة البنك المركزي الإيراني، حيث تم تعيين عبد الناصر همتي، وزير الاقتصاد السابق، رئيسًا جديدًا للبنك. وقد اعتبرت هذه الخطوة محاولة لاحتواء الاضطراب المالي المتسارع، لكنها لم تنجح حتى الآن في استعادة الثقة في العملة الوطنية.

استجابة الحكومة وتصعيد الحوار

في مواجهة اتساع رقعة الاحتجاجات، اتخذ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عدة خطوات في محاولة للتهدئة. وأعلن تكليف وزارة الداخلية بالاستماع إلى مطالب المحتجين المشروعة من خلال الحوار مع ممثليهم. وهذا يمثل تحولًا واضحًا في النهج الحكومي، حيث كانت الاحتجاجات سابقًا تُقابل بالقمع والتجاهل.

عقد بزشكيان اجتماعًا أيضًا مع ممثلين عن البازار (الأسواق التقليدية)، في محاولة لتهدئة أحد أبرز مصادر الغضب الاقتصادي. وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع البحث عن إجراءات عاجلة لمعالجة تداعيات انهيار سعر الصرف، والحد من ارتفاع التضخم في إيران.

سياسيًا، صرح رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأن الاحتجاجات ذات الطابع المعيشي “تتطلب التعامل معها بمسؤولية كاملة”، داعيًا إلى تسريع جهود الدولة لتلبية احتياجات المواطنين.

مراجعة الميزانية العامة

وأعلن قاليباف أنه، بموافقة الرئيس، قد تم سحب مشروع قانون الموازنة العامة للعام الجديد من البرلمان. وسيتم إعادته إلى لجنة الدمج لإجراء تعديلات عليه. هذه الخطوة تعكس حجم الضغوط التي فرضتها التطورات الميدانية على مسار السياسات الاقتصادية في البلاد.

أقرت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، بوجود ضغوط معيشية قاسية، مشيرة إلى أن التضخم الذي يتجاوز 50% من شأنه أن يثير الغضب في الشارع. وأشارت إلى أن الحكومة تعمل على برنامج طوارئ اقتصادي، إلى جانب خطة قصيرة الأمد تهدف إلى تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي.

احتجاجات الجامعات والتوجهات المستقبلية

في تطور آخر، أعلنت السلطات الإيرانية الإفراج عن أربعة طلاب ألقي القبض عليهم في جامعة طهران على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات. يُعد هذا الإجراء محاولة لتهدئة التوتر في الوسط الأكاديمي. وأعلنت جامعتي الشهيد بهشتي والعلّامة الطباطبائي استمرار الدراسة عن بُعد حتى نهاية الفصل الدراسي الأول.

كما أعلنت وزارة العلوم عن إعفاء مسؤولي الحراسات في ثلاث جامعات رئيسية (جامعة شريف الصناعية، وجامعة الزهراء، وجامعة علم وصناعة إيران) على خلفية انتقادات حول طريقة تعاملهم مع الاحتجاجات. ويهدف هذا الإجراء إلى تحسين إدارة الأمن الجامعي وتجنب المزيد من التصعيد.

تشير مجمل هذه التطورات إلى أن السلطات الإيرانية تحاول تبني مقاربة جديدة في التعامل مع الاحتجاجات، تقوم على الاعتراف بشرعية المطالب المعيشية وفتح قنوات للحوار. ويشمل ذلك اتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية وإدارية متزامنة.

ومع ذلك، يبقى نجاح هذه المقاربة مرهونًا بمدى قدرة الحكومة على تحقيق تحسن ملموس في الواقع الاقتصادي، خاصة في ظل استمرار العقوبات الدولية وتدهور قيمة الريال. ويعتبر ملف الوضع الاقتصادي في إيران هو المحرك الرئيسي لردود الأفعال الشعبية.

من المتوقع أن تستمر الاحتجاجات خلال الفترة القادمة، خاصة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات فعالة لمعالجة الأزمة الاقتصادية. ويرى مراقبون أن مستقبل هذه الاحتجاجات يعتمد على استجابة الحكومة لمطالب المتظاهرين، وعلى قدرتها على استعادة الثقة في الاقتصاد الإيراني. وما إذا كانت ستعيد الحكومة النظر في سياساتها الاقتصادية أم ستستمر في نفس النهج، هو ما ستكشفه الأيام القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى