لأول مرة في العراق.. تعرف على مشروع تحديد حصة الفرد من المياه

بغداد – يواجه العراق تحديًا متزايدًا في قطاع المياه، نتيجة لعدة عوامل تشمل التغيرات المناخية، وشح الأمطار، وتراجع تدفق نهري دجلة والفرات. وتسعى الحكومة العراقية حاليًا إلى إيجاد حلول مستدامة لضمان توفير المياه للمواطنين، من خلال عدة مبادرات بما في ذلك احتساب دقيق لاستهلاك الفرد، ووضع خطط لترشيد الهدر وتحسين إدارة الموارد المائية. وتأتي هذه الإجراءات في ظل قلق متزايد بشأن مستقبل الأمن المائي في البلاد.
ومن بين هذه الجهود، أطلقت وزارة الإعمار والإسكان مشروعًا يهدف إلى تحديد حصة الفرد من المياه، بعد سنوات من التفاوت في التقديرات بين الجهات المعنية. ويشمل المشروع مسحًا دقيقًا لاستهلاك المياه في عدد من المحافظات، بهدف وضع خطط أكثر واقعية لإنشاء مشاريع مائية وتوزيع عادل للمياه.
تحديد حصة الفرد من المياه: خطوة نحو استراتيجية وطنية
بدأت وزارة الإعمار والإسكان في أغسطس الماضي بتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع في أربع محافظات: بغداد، وأربيل، وذي قار، وكركوك. وقد تم خلال هذه المرحلة نصب مقاييس دقيقة على الأنابيب الداخلة إلى المنازل، وتسجيل قراءات للاستهلاك اليومي على مدار ثلاثة أشهر. وقد أكد المدير العام للمياه في الوزارة، عمار المالكي، أن نتائج هذه المرحلة كانت إيجابية وكشفت عن معلومات مهمة حول أنماط الاستهلاك الفعلية.
وبحسب نتائج المرحلة الأولى، فإن متوسط استهلاك الفرد من المياه يبلغ حوالي 180 لترًا يوميًا، وهو أقل من التقديرات السابقة التي كانت تشير إلى 240 لترًا. ويعزو المالكي هذا الفرق إلى عدة عوامل، منها ارتفاع الوعي بأهمية ترشيد المياه، وبعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتقليل الهدر.
أهداف المشروع ورؤيته المستقبلية
يهدف المشروع إلى وضع خطة وطنية لإدارة الموارد المائية في العراق، تأخذ في الاعتبار الاحتياجات الفعلية للمواطنين وتراعي التحديات المستقبلية. وتشمل هذه الخطة تطوير شبكات توزيع المياه، ومعالجة المياه المهدرة، وتشجيع استخدام تقنيات الري الحديثة في الزراعة.
ويشير الخبراء إلى أن المشروع يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الأمن المائي في العراق، ولكنه يتطلب أيضًا اتخاذ إجراءات أخرى موازية، مثل إصدار تشريعات جديدة لمحاسبة المتجاوزين على المياه، وتشجيع الاستثمار في مشاريع تحلية المياه وإعادة تدويرها.
التحديات التي تواجه قطاع المياه في العراق
يواجه العراق تحديات كبيرة في قطاع المياه، منها تراجع الإمدادات المائية من دول الجوار، وزيادة الطلب على المياه بسبب النمو السكاني والتوسع العمراني، وتدهور البنية التحتية لشبكات توزيع المياه. وقد أدت هذه التحديات إلى نقص حاد في المياه في العديد من المناطق، وتفاقم مشكلة التصحر.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام المياه في الزراعة يمثل نسبة كبيرة من إجمالي الاستهلاك، وغالبًا ما يتم ذلك بطرق غير فعالة. ويزيد من هذه المشكلة استخدام المياه العذبة في حقول النفط، مما يفاقم الضغط على الموارد المائية المحدودة.
وتشير التقارير إلى أن نسبة المياه المهدرة في العراق تتراوح بين 25 و30% بسبب تهالك شبكات التوزيع وسوء الإدارة. ويهدف مشروع وزارة الإعمار إلى معالجة هذه المشكلة من خلال تحديد حجم الهدر بدقة، ووضع خطط لإصلاح الشبكات المتضررة.
وأكد الخبير الاقتصادي محمد أحمد أن معالجة ملف المياه تتطلب إجراءات وحلولا جذرية، بما في ذلك فرض تسعيرة مرتفعة على استهلاك المياه، وتشجيع استخدام تقنيات الري الحديثة، واعتماد مشاريع تحلية المياه وإعادة تدويرها. كما أكد على أهمية وضع قوانين صارمة لمحاسبة المتجاوزين على المياه، ومنع استخدام المياه العذبة في حقول النفط.
ومن المتوقع أن تقوم وزارة الإعمار والإسكان بإطلاق المرحلة الثانية من المشروع في خمس محافظات أخرى خلال الأشهر القادمة. وستشمل هذه المرحلة مسحًا للاستهلاك خلال فصل الشتاء، بهدف الحصول على صورة كاملة عن أنماط الاستهلاك على مدار العام. وسيقدم المشروع بعد ذلك توصياته إلى الحكومة لوضع خطة وطنية شاملة لإدارة الموارد المائية في العراق.