ما جدوى انفتاح كندا على العالم وسط توترات تجارية مع أمريكا؟

ألبرتا – يشهد المشهد الاقتصادي الكندي تحولاً ملحوظاً، حيث أصبحت الزيارات الخارجية وتوقيع الاتفاقيات التجارية الجديدة، وعلى رأسها اتفاقيات مع دول الخليج والصين، أولوية قصوى لحكومة رئيس الوزراء مارك كارني. يأتي هذا التوجه في ظل تصاعد التوترات التجارية والسياسية مع الولايات المتحدة، مما دفع كندا إلى البحث عن بدائل وتنويع شراكاتها الاقتصادية لضمان استقرارها المستقبلي وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية.
وقد أثار تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السلع الكندية ردود فعل واسعة، وأكد على ضرورة تسريع وتيرة البحث عن أسواق جديدة. يعكس هذا التحرك استراتيجية واضحة تهدف إلى تعزيز الاستقلال الاقتصادي لكندا وتقليل تأثير السياسات التجارية الأمريكية المتغيرة.
أبرز جولات رئيس الوزراء كارني والاتفاقيات التجارية
انطلق رئيس الوزراء كارني في سلسلة مكثفة من الجولات الخارجية شملت دولاً أوروبية وعربية وآسيوية، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية وتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة. تضمنت هذه الجولات زيارات إلى فرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا والفاتيكان وبلجيكا وهولندا وأوكرانيا وبولندا وألمانيا وسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا والصين والإمارات وقطر.
الشراكة مع دول الخليج العربي
تعتبر الشراكة مع دول الخليج العربي من أهم ركائز استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تتبناها حكومة كارني. وقد أسفرت الزيارة الأخيرة إلى قطر عن التزام الدوحة بالاستثمار الاستراتيجي في مشاريع البنية التحتية الكبرى في كندا، في حين تعهدت كندا بإرسال وفد من المستثمرين لاستكشاف فرص الاستثمار المتبادل. كما يجري العمل على إكمال مفاوضات اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي بين البلدين، ومن المتوقع توقيعها في صيف عام 2026.
بالإضافة إلى قطر، شهدت العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة تطوراً ملحوظاً، حيث تم توقيع اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمار، وإطلاق مفاوضات بشأن شراكة اقتصادية شاملة. وتعهدت الإمارات باستثمار يصل إلى 50 مليار دولار في قطاعات حيوية مثل المعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
الاتفاق التجاري مع الصين
يمثل الاتفاق التجاري المبدئي مع الصين خطوة تاريخية في سياسة كندا التجارية. يشمل الاتفاق دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى السوق الكندية، مقابل تخفيض الصين لرسومها على بذور الكانولا الكندية. كما يتضمن الاتفاق إلغاء التعريفات الجمركية على منتجات أخرى مثل كسب الكانولا وبعض أنواع المأكولات البحرية. هذا الاتفاق يهدف إلى تعزيز الصادرات الكندية وتنويع الأسواق.
تأثير هذه التحركات على الاقتصاد الكندي
يرى خبراء الاقتصاد أن هذه التحركات تمثل فرصة هائلة لتعزيز النمو الاقتصادي في كندا وخلق فرص عمل جديدة. ومع ذلك، يشيرون إلى أن التأثير الفعلي قد يستغرق بعض الوقت للظهور، خاصة وأن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تزال تمثل جزءاً كبيراً من الاقتصاد الكندي.
ويؤكد المحللون على أهمية التوازن في إدارة العلاقات الخارجية، وعدم إظهار أي توجه نحو القطيعة مع الولايات المتحدة أو أوروبا. فالهدف هو تنويع الشراكات الاقتصادية، وليس استبدال الشركاء التقليديين.
من ناحية أخرى، يرى البعض أن هذه الخطوات قد تكون محفوفة بالمخاطر، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة والتوازنات العالمية الهشة. ويحذرون من أن الاعتماد على أسواق جديدة قد يعرض كندا لتقلبات اقتصادية وسياسية غير متوقعة.
وفي ظل هذه التطورات، من المتوقع أن تشهد العلاقات التجارية بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية فترة من عدم اليقين. وسيكون من الضروري على الحكومة الكندية مواصلة جهودها لتنويع الاقتصاد وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، مع الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الشركاء التجاريين الرئيسيين. الخطوة التالية الحاسمة ستكون إتمام التفاوض على اتفاقيات تجارية شاملة مع دول الخليج والصين، وتفعيل آليات التعاون الاقتصادي مع هذه الدول.