حكايات ملونة على جدران صماء.. كيف أعاد فن الشوارع صياغة روح عمان؟

عمّان – تشهد العاصمة الأردنية عمّان ازدهارًا ملحوظًا في فن الشارع، أو ما يعرف بـ فن الغرافيتي، حيث تحول الجدران إلى لوحات فنية تعبر عن الهوية والثقافة الأردنية، وتطرح قضايا اجتماعية وسياسية متنوعة. هذا التحول الفني يضفي حيوية على المدينة ويجذب اهتمام السكان والزوار على حد سواء، ويساهم في تحويل المساحات العامة إلى معارض فنية مفتوحة للجميع.
بدأ هذا التوجه يكتسب زخمًا خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد عدد الفنانين الذين يعتمدون على الجدران كوسيلة للتعبير عن أنفسهم وعن قضاياهم. لم يعد فن الشارع مجرد رسومات عشوائية، بل أصبح لغة بصرية قوية تحمل رسائل عميقة وتساهم في إثراء المشهد الثقافي في عمّان.
ولادة وتطور فن الشارع في عمّان
تشتهر عمّان بهندستها المعمارية الفريدة، ولكن في السنوات الأخيرة، شهدت المدينة تحولًا ملحوظًا مع ازدياد حضور فنون الشارع، خاصة في أحياء مثل جبل اللويبدة ووسط البلد. هذا التطور يعكس رغبة الفنانين في إيجاد مساحات للتعبير عن أنفسهم بعيدًا عن القيود التقليدية للمعرض الفني.
وفقًا لفنانة الرسم الغرافيتي ليلى عجاوي، فإن الحصول على التراخيص اللازمة للرسم على الجدران قد يكون معقدًا، ولكنه ضروري لضمان احترام حقوق الجميع وتنظيم الفضاء العام. وأضافت أن الرسومات الجدارية الضخمة تساهم في جذب مشاركة أوسع من الجمهور، بما في ذلك الأطفال وكبار السن، مؤكدة أن عمّان مليئة بالجدران التي تحتاج إلى تزيين.
فن الشارع كأداة للتعبير الاجتماعي والسياسي
يعتبر فن الشارع أداة قوية للتعبير داخل المجتمعات، لما يحمله من رسائل متعددة المعاني. تتراوح هذه الرسائل بين المبادرات المجتمعية وتسليط الضوء على قضايا مختلفة، وصولًا إلى الرسائل الوطنية التي تعزز القيم والهوية الثقافية. كما يلعب الفن الحضري دورًا هامًا في تحويل الجدران والأحياء المتهالكة إلى مساحات حية وملهمة تعكس قضايا السكان وتوجهاتهم.
وتشير عجاوي إلى أن هذا الفن يتجاوز حدود المعارض المغلقة في المدن الكبرى، ليصل إلى الحارات والأزقة في المخيمات والمناطق الفقيرة، مما يتيح لمختلف فئات المجتمع الاطلاع عليه والتفاعل مع قضاياه. وهذا يساهم في تعزيز الحوار المجتمعي وتشجيع التعبير عن الآراء المختلفة.
هوية وتغيير من خلال فن الغرافيتي
تساهم الجداريات المنتشرة في عمّان في تعزيز الهوية الثقافية للمدينة، من خلال تصوير التراث المحلي والشخصيات التاريخية. كما أنها تلامس قضايا إنسانية راهنة، مما يجعلها وسيلة للتعبير عن التضامن مع القضايا العالمية. بالإضافة إلى ذلك، يساهم الفن الجداري في جذب السياح وتعزيز الصورة الإيجابية للمدينة.
وتوضح عجاوي أنها تحرص على التعبير عن المرأة العربية وقضاياها من منظور أنثوي، بما يكسر الصورة النمطية الغربية السائدة. وتؤكد أن التجربة الاجتماعية المصاحبة للرسم بحد ذاتها تشكل عنصرا لافتا وغير مألوف، لا سيما حين تقوم بها فنانة عربية في عالم يهيمن عليه الذكور.
قضية فلسطين في فن الشارع
لطالما كانت القضية الفلسطينية حاضرة في فن الشارع في عمّان، حيث رسم فنانون جداريات تعبر عن معاناة وصمود الشعب الفلسطيني. وتؤكد الفنانة شروق ضمرة أن الرسومات الجدارية تمنح صوتًا للفلسطينيين وللقضايا الإنسانية، وأنها أداة مقاومة وتعبير عن الهوية والإنسانية.
وتضيف ضمرة أن فن الشارع في عمّان تحول من مجرد طلاء على الجدران إلى وسيلة تواصل ثقافية وإنسانية، تعكس تطلعات الشباب واهتماماتهم الاجتماعية والسياسية. وتعتبر أن الرسم على الجداريات أصبح أكثر من فن، بل هو منصة للتاريخ، للهوية، وللقيم الإنسانية.
على الرغم من الانتشار اللافت، يواجه فن الغرافيتي في الأردن تحديات كبيرة، مثل صعوبة الحصول على التراخيص اللازمة وارتفاع تكلفة المواد. ومع ذلك، فإن أمانة عمّان تدعم هذا النوع من الفن، معتبرة أنه يضاعف الحس الجمالي والبصري للمدينة ويعزز روح الحداثة.
من المتوقع أن يستمر فن الشارع في الازدهار في عمّان، وأن يشهد المزيد من التطور والابتكار في السنوات القادمة. وستواصل أمانة عمّان دعم الفنانين وتوفير المساحات اللازمة لهم للتعبير عن أنفسهم. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الجهود لتذليل العقبات التي تواجه هذا الفن وتشجيع انتشاره على نطاق أوسع. وستظل الجدران في عمّان شاهدة على تاريخ المدينة وقصص شعبها.