ضغوط أوروبية لتفكيك احتكار “ميتا” و”آبل” لخدمات الذكاء الاصطناعي

يشهد العام الحالي تصاعدًا في المواجهة بين المفوضية الأوروبية وشركتي ميتا وآبل، حيث لم تعد القضية مقتصرة على الخصوصية، بل امتدت لتشمل مستقبل التكنولوجيا، وهو الذكاء الاصطناعي. وتسعى أوروبا، من خلال قوانين صارمة، إلى منع تحول المنصات الرقمية إلى “حدائق مغلقة” تسيطر عليها الشركات الكبرى، مستخدمةً قانون الأسواق الرقمية وقانون الذكاء الاصطناعي كأدوات رئيسية في هذا الصراع.
تأتي هذه الجهود في وقت تتسارع فيه وتيرة تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتزداد أهميتها في مختلف جوانب الحياة. وتسعى المفوضية الأوروبية إلى ضمان بقاء هذا المجال مفتوحًا للمنافسة والابتكار، وحماية حقوق المستخدمين في الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها بحرية. وتعتبر هذه الخطوات جزءًا من استراتيجية أوسع لتحقيق “السيادة الرقمية” لأوروبا.
إجبار ميتا على فتح أبواب واتساب
في فبراير الحالي، وجهت المفوضية الأوروبية اتهامات رسمية لشركة ميتا بانتهاك قواعد مكافحة الاحتكار، وتركز القضية على تطبيق “واتساب”. وتتهم المفوضية ميتا بإجبار المستخدمين على استخدام مساعدها الذكي “ميتا إيه آي” كخيار وحيد، ومنع المنافسين مثل “أوبن إيه آي” و”غوغل” من تقديم خدماتهم عبر التطبيق.
تعتمد الاستراتيجية الأوروبية على مبدأ “التوافق التشغيلي”، حيث ترى المفوضية أن واتساب يمثل “بوابة” يجب أن تظل مفتوحة أمام الابتكارات الخارجية. وتهدد المفوضية بفرض عقوبات مالية كبيرة على ميتا، تصل إلى 10% من دخلها العالمي السنوي، لإجبارها على توفير “مدخل رقمي” يسمح لأي ذكاء اصطناعي خارجي بالعمل داخل التطبيق بنفس السلاسة التي يعمل بها مساعد ميتا.
يهدف هذا الإجراء إلى منح المستخدمين حرية الاختيار، وكسر احتكار ميتا لبيانات المحادثات واستخدامها في تدريب نماذجها الخاصة. ويعتبر هذا التدخل بمثابة رسالة واضحة للشركات الكبرى بأن الاتحاد الأوروبي لن يسمح لها بالسيطرة على سوق الذكاء الاصطناعي.
آبل والذكاء الاصطناعي
تواجه شركة آبل ضغوطًا من نوع مختلف، حيث يركز التدقيق الأوروبي على نظام “آبل إنتليجنس” وكيفية تكامله مع نظام التشغيل “آي أو إس”. وتعتبر المفوضية أن هذا التكامل العميق بين العتاد والبرمجيات يمنح آبل ميزة احتكارية غير عادلة.
وبموجب قانون الأسواق الرقمية، تطالب المفوضية آبل بالسماح لمحركات الذكاء الاصطناعي المنافسة بالوصول إلى “النواة” الخاصة بنظام التشغيل. وحاولت آبل تأخير إطلاق بعض ميزات الذكاء الاصطناعي في أوروبا، بدعوى مخاوف أمنية، لكن المفوضية رفضت هذا التبرير، مؤكدةً أن الأمن لا يجب أن يكون ذريعة للاحتكار.
وتلزم القوانين الجديدة آبل بتسهيل “التحميل الجانبي لنماذج الذكاء الاصطناعي”، بحيث يمكن للمستخدم استبدال “سيري” بمساعد آخر دون فقدان وظائف الجهاز الذكية. وهذا الإجراء يهدف إلى تعزيز المنافسة في سوق المساعدات الذكية، ومنح المستخدمين المزيد من الخيارات.
قانون الذكاء الاصطناعي يفرض الشفافية
دخل قانون الذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ الكامل في أغسطس 2025 وبداية 2026، ويفرض قواعد صارمة على الشركات العاملة في هذا المجال. ويُلزم القانون ميتا وآبل بالإفصاح عن البيانات المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وتقديم سجلات مفصلة للمحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر.
كما يتطلب القانون تقييم المخاطر المرتبطة بنماذج الذكاء الاصطناعي، وإثبات أنها لا تشكل تهديدًا للديمقراطية أو الصحة النفسية للمواطنين الأوروبيين. ويهدف هذا القانون إلى ضمان تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة وأخلاقية.
بالإضافة إلى قانون الأسواق الرقمية، يركز قانون الذكاء الاصطناعي على “الشفافية”، مما يجبر الشركات على الكشف عن تفاصيل عمل نماذجها. ويُعتبر هذا القانون خطوة مهمة نحو تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق المستخدمين.
من المتوقع أن تستمر المفاوضات بين المفوضية الأوروبية وشركتي ميتا وآبل في الأشهر القادمة. ومن المقرر أن تصدر المفوضية قرارات نهائية بشأن هذه القضايا بحلول نهاية عام 2026. وسيكون لهذه القرارات تأثير كبير على مستقبل سوق الذكاء الاصطناعي في أوروبا والعالم. ويتوقع المراقبون أن هذه المواجهة ستحدد مسار التنافسية والابتكار في هذا المجال الحيوي.