“ميسترال”.. طريق أوروبا لمواجهة سيطرة الذكاء الاصطناعي الأمريكي

أعلنت شركة ميسترال الفرنسية للذكاء الاصطناعي عن زيادة كبيرة في إيراداتها، مدفوعة بالطلب المتزايد من الشركات والحكومات الأوروبية على بدائل للشركات التكنولوجية الأمريكية. وقد بلغت إيرادات الشركة 400 مليون دولار في العام الحالي، مقارنة بـ 20 مليون دولار في العام الماضي، مما يعكس تحولاً ملحوظاً في سوق الذكاء الاصطناعي. يأتي هذا النمو في ظل دعم قوي من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأنشطة الشركة.
وقال آرثر مينش، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة ميسترال، في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز، إن الشركة تتوقع تحقيق إيرادات سنوية تتجاوز مليار يورو بحلول نهاية العام الجاري. وتسعى ميسترال إلى توسيع قاعدة عملائها لتشمل أكثر من 100 شركة، مما يؤكد مكانتها المتنامية في السوق الأوروبية.
تقليص الاعتماد على الشركات الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي
تأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه المخاوف الأوروبية بشأن الاعتماد المفرط على الشركات التكنولوجية الأمريكية. وأشار مينش إلى أن أوروبا أدركت أن اعتمادها على الخدمات الرقمية الأمريكية قد وصل إلى مستوى خطر، وتسعى إلى تعزيز استقلاليتها في هذا المجال. وتقدم ميسترال حلاً استراتيجياً من خلال توفير برامج وأنظمة معلومات مستقلة تماماً عن الشركات الأمريكية.
وتعتمد دول الاتحاد الأوروبي حالياً على شركات خارجية، غالبيتها أمريكية، في توفير حوالي 80% من الخدمات والبنية التحتية الرقمية، وفقاً لفايننشال تايمز. وهذا الوضع يثير قلق المسؤولين الأوروبيين بشأن إمكانية استخدام هذه الخدمات للضغط على أوروبا في حالة اختلافها مع السياسات الأمريكية.
خطط التوسع والاستثمار
تخطط ميسترال لتوسيع نطاق عملياتها في أوروبا من خلال استثمارات كبيرة. فقد جمعت الشركة تمويلاً بقيمة 1.7 مليار يورو في سبتمبر الماضي من شركات أوروبية، بقيادة شركة “آي إس إم إل” الهولندية لصناعة الرقائق الإلكترونية. ويأتي هذا التمويل لدعم خطط الشركة لبناء مراكز بيانات جديدة في السويد بقيمة 1.2 مليار يورو، وهو أول توسع لميسترال خارج فرنسا.
وبرر مينش اختيار السويد لبناء مراكز البيانات بتوفر الطاقة منخفضة الكربون بأسعار تنافسية. ويتوقع أن تدر هذه الاستثمارات أكثر من ملياري يورو خلال السنوات الخمس المقبلة، مما يعزز مكانة ميسترال كلاعب رئيسي في سوق الذكاء الاصطناعي الأوروبي.
دعم ماكرون الاستراتيجي
يعتبر الدعم المبكر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عاملاً مهماً في نجاح ميسترال. فقد أشاد ماكرون بالشراكة بين ميسترال وشركة “إنفيديا” لصناعة الرقائق الإلكترونية، وأعلن عن إطلاق منصة أوروبية متخصصة في الذكاء الاصطناعي مدعومة بشرائح إنفيديا ابتداءً من عام 2026.
وحذر ماكرون في مقابلة حديثة من أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب “معادية لأوروبا بشكل صريح” وتسعى إلى “تفكيك” الاتحاد الأوروبي. وتوقع ماكرون هجمات أمريكية وشيكة على السياسات الأوروبية لتنظيم القطاع الرقمي، بما في ذلك فرض رسوم جمركية إذا استخدم الاتحاد الأوروبي قانون الخدمات الرقمية للحد من نفوذ شركات التكنولوجيا الأمريكية.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في أوروبا
تعتبر ميسترال مثالاً على الجهود المتزايدة في أوروبا لتعزيز استقلاليتها في مجال التكنولوجيا، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي. وتشير التوقعات إلى أن الشركة ستواصل نموها وتوسعها في السنوات القادمة، مما قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في المشهد التكنولوجي الأوروبي. من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة المزيد من الاستثمارات في الشركات الأوروبية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تطوير سياسات جديدة لتعزيز الابتكار وحماية المصالح الأوروبية. يبقى من المهم مراقبة التطورات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا، وتقييم تأثيرها على مستقبل الذكاء الاصطناعي والتعاون التكنولوجي بين الجانبين.