هل أصبحت موسوعة إيلون ماسك “غروكيبيديا” مصدر الحقيقة الجديد لـ”أوبن إيه آي”؟

في تطور مفاجئ أثار قلق مجتمع البحث العلمي وخبراء التضليل الإعلامي، كشفت تقارير حديثة أن النسخة الأحدث من روبوت الدردشة الشهير “تشات جي بي تي” (ChatGPT)، والمعروفة باسم “جي بي تي-5.2” (GPT-5.2)، بدأت تعتمد بشكل ملحوظ على موسوعة “غروكيبيديا” (Grokipedia) المملوكة لإيلون ماسك كمصدر رئيسي للمعلومات في مواضيع معينة. هذا الاعتماد يثير تساؤلات حول مصداقية المعلومات التي يقدمها تشات جي بي تي، واحتمالية انتشار معلومات مضللة.
ما هي “غروكيبيديا” وكيف اقتحمت المشهد؟
أطلق إيلون ماسك عبر شركته “إكس إيه آي” (xAI) في أكتوبر/تشرين الأول 2025 مشروع “غروكيبيديا” لتكون المنافس المباشر لموسوعة ويكيبيديا مفتوحة المصدر. وحسب وصف ماسك فإن موسوعته الجديدة “تعتمد على فلسفة التحرر من انحياز اليسار المتطرف”، حيث يتم إنتاج محتواها بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي “غروك” (Grok)، مع غياب شبه كامل للتحرير البشري التقليدي.
وبحلول مطلع هذا العام، تجاوز عدد مقالاتها 5.6 مليون مقال. ومع ذلك، واجهت “غروكيبيديا” اتهامات بنشر معلومات مغلوطة وسرديات سياسية منحازة، مما أثار جدلاً حول مدى موثوقيتها كمصدر للمعلومات.
صدمة “ذا غارديان”: جي بي تي-5.2 يستشهد بماسك
وفقا للاختبارات التي أجرتها صحيفة “ذا غارديان” ونشرت نتائجها في 24 يناير/كانون الثاني الحالي، لوحظ أن نموذج “جي بي تي-5.2″ استشهد بـ”غروكيبيديا” كمصدر رسمي في 9 حالات من أصل 12 استفسارا حول مواضيع “غامضة” أو “شائكة”. من بين هذه المواضيع: الشؤون الإيرانية، والسير الذاتية التاريخية، وقضايا جدلية.
على سبيل المثال، قدم “تشات جي بي تي” معلومات حول رواتب قوات “الباسيج” وملكية مؤسسات اقتصادية في إيران، مستقاة مباشرة من “غروكيبيديا”، وهي معلومات تتجاوز ما هو متاح في المصادر التقليدية الموثوقة. كما استشهد النموذج بمعلومات (ثبت لاحقا عدم دقتها) حول المؤرخ البريطاني “ريتشارد إيفانز”، كانت قد نشرت في موسوعة ماسك.
الخبراء يركزون على ظاهرة “تلوث النماذج” (Model Contamination) أو “تزيين النماذج” (LLM Grooming). فعندما يبدأ الذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي” في التعلم من مخرجات ذكاء اصطناعي آخر (Grokipedia)، تنشأ “حلقة مفرغة” من المعلومات المضللة التي تعزز بعضها البعض، مما يجعل من المستحيل تقريبا تصحيح الخطأ بمجرد دخوله في هذه الدورة. هذا يشكل تحديًا كبيرًا لموثوقية الذكاء الاصطناعي.
مخاطر الاعتماد على مصادر غير موثوقة
تقول الباحثة في مجال التضليل الإعلامي نينا يانكوفيتش إن “الخطر يكمن في إضفاء المصداقية، فالمستخدم يثق في “تشات جي بي تي”، وعندما يرى الأخير يستشهد بغروكيبيديا، سيفترض تلقائيا أن موسوعة ماسك مصدر موثوق، مما يفتح الباب لتمرير سرديات سياسية تحت غطاء الحقائق”. هذا يمكن أن يؤثر على الرأي العام ويساهم في انتشار المعلومات الخاطئة.
رد “أوبن إيه آي”.. “نحن نبحث في الويب فقط”
من جانبه، صرح متحدث باسم “أوبن إيه آي” (OpenAI) بأن نموذج “جي بي تي-5.2” مصمم للوصول إلى “نطاق واسع من المصادر العامة” عبر ميزة البحث في الويب لتقديم إجابات شاملة. وأكدت الشركة أنها تطبق “فلاتر سلامة” لتقليل ظهور الروابط المرتبطة بالأضرار الجسيمة، لكنها اعترفت ضمنيا بأن خوارزميات البحث قد تبرز محتوى “غروكيبيديا” إذا كان هو الأكثر تفصيلا في موضوع معين.
في ظل كل هذه المعطيات، يمثل هذا التطور صدمة للمستخدمين الذين اعتمدوا على “تشات جي بي تي” كبديل محايد للمحركات البحثية. وبينما كان إيلون ماسك يهاجم “أوبن إيه آي” ويصفها بالانحياز، يبدو أن شركته نجحت في “اختراق” عقل “تشات جي بي تي” المعرفي من خلال إغراق الإنترنت بملايين المقالات المولدة آليا، مما أجبر نماذج المنافسين على الاقتباس منها لملء الفراغات المعلوماتية.
من المتوقع أن تقوم “أوبن إيه آي” بتحديث خوارزميات البحث الخاصة بها في الربع الأول من عام 2026 لتقليل الاعتماد على مصادر غير موثوقة مثل “غروكيبيديا”. ومع ذلك، يبقى التحدي قائماً في كيفية التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة في عالم يتزايد فيه المحتوى المولّد آليًا. سيكون من الضروري مراقبة التطورات في هذا المجال وتقييم تأثيرها على موثوقية نماذج اللغة الكبيرة.