مقالات

الجلوس لفترات طويلة ضار جدا.. هل يشكل العمل المكتبي خطرا؟

ربما يشعر الكثيرون بالإحباط وهم يتابعون الأبحاث التي تربط الجلوس لفترات طويلة بمشاكل صحية عديدة، بدءًا من الصحة النفسية وصولًا إلى قصر العمر الصحي. ومع ذلك، تشير دراسة جديدة إلى أن صحتنا ليست بالضرورة في خطر إذا كنا نعمل في وظائف مكتبية تتطلب الجلوس، طالما أننا نحول جلوسنا إلى “جلوس نشط“.

نُشرت هذه الدراسة في أواخر العام الماضي، وتتعارض مع نتائج سابقة أكدت على المخاطر المرتبطة بقلة الحركة. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن نوع الجلوس، وليس مجرد مدته، هو العامل الحاسم في التأثير على صحة الدماغ والوظائف الإدراكية.

أنواع الجلوس ليست متساوية

عرّف الباحثون قلة الحركة بأنها السلوك الخامل – كالجلوس أو الاستلقاء – أثناء اليقظة، باستثناء ساعات النوم. وأكدوا أن خطر الخمول يبقى قائمًا حتى لدى الأشخاص الذين يجلسون كثيرًا ويعتقدون أنهم يعوضون ذلك بممارسة الرياضة لاحقًا.

لكن الدراسة الجديدة صنفت أنماط الجلوس إلى نوعين رئيسيين: الجلوس النشط والجلوس السلبي. الجلوس النشط يشمل القيام بأنشطة ذهنية مثل حل الألغاز، والقراءة، واستخدام الكمبيوتر، بينما الجلوس السلبي يشمل ممارسة أنشطة خاملة مثل مشاهدة التلفاز.

الجلوس النشط ودوره في صحة الدماغ

اكتشف الباحثون أن التأثير المعرفي والإدراكي لأدمغتنا يعتمد على نوع الجلوس. الأشخاص الذين يمارسون الجلوس النشط بكثرة يتمتعون بصحة ووظائف معرفية أفضل، بما في ذلك الوظائف التنفيذية وأعمال الذاكرة المختلفة. وهذا يشير إلى أن الجلوس النشط قد يدعم عمرًا صحيًا معرفيًا أطول.

في المقابل، الأشخاص الذين يمارسون الجلوس السلبي بكثرة هم أكثر عرضة للإصابة بالتدهور المعرفي ومرض ألزهايمر. ويرجع ذلك إلى أن الجلوس النشط يحفز مهارات مختلفة في الدماغ، مثل الوظائف الحركية والتنفيذية والذاكرة المكانية، مما يحافظ على نشاط الخلايا العصبية.

الفرق بين الجلوس في العمل والجلوس في المنزل

أظهرت دراسة سابقة، نُشرت في مجلة “جمعية القلب الأمريكية”، أن الجلوس في العمل قد لا يكون ضارًا بالقلب وطول العمر بقدر الجلوس ومشاهدة التلفاز في أوقات الفراغ. ووجدت الدراسة أن الجلوس في العمل لا يرتبط بزيادة خطر الوفاة أو أمراض القلب، بينما مشاهدة التلفاز لأكثر من أربع ساعات يوميًا تزيد من هذه المخاطر بنسبة 50%.

ويرجع هذا الاختلاف إلى أن الجلوس في العمل غالبًا ما يتخلله فترات قصيرة من الحركة، مثل النهوض للتحدث مع زميل أو الذهاب إلى المرحاض. بينما الجلوس أمام التلفاز عادة ما يكون مصحوبًا بقلة الحركة لفترات طويلة.

كيف يمكن للجلوس النشط أن يفيد دماغك؟

وفقًا لعلماء الأعصاب، فإن النشاط البدني والذهني المنتظم، بالإضافة إلى الحصول على قسط كاف من النوم والتواصل الاجتماعي، هي عوامل أساسية للحفاظ على صحة الدماغ على المدى الطويل. النشاط البدني يحسن تدفق الدم إلى الدماغ، مما يعزز نمو الخلايا العصبية ويحميها من التلف.

أما الجلوس النشط، فيساعد على تحفيز الدماغ والحفاظ على وظائفه الإدراكية. لذا، من المهم النهوض والحركة خلال يوم العمل كلما أمكن، وممارسة بعض الأنشطة الذهنية التي تتطلب تفكيرًا ونشاطًا.

يبقى النشاط البدني هو الخيار الأفضل دائمًا لصحة الدماغ، ولكن الجلوس النشط يمكن أن يكون بديلاً جيدًا للأشخاص الذين لا يستطيعون ممارسة الرياضة بانتظام.

من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات لتحديد أفضل الطرق لتحويل الجلوس إلى نشاط إيجابي، وتحديد أنواع الأنشطة الذهنية التي توفر أكبر فائدة للدماغ. وفي الوقت الحالي، ينصح الخبراء بالتركيز على دمج الحركة والنشاط الذهني في روتيننا اليومي، سواء في العمل أو في المنزل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى