من “جرذان” سراييفو إلى “حيوانات” غزة.. كيف شارك الإعلام بقتل المسلمين لعقود؟ | ثقافة

في تطور مروع يكشف عن جوانب مظلمة من الصراعات المسلحة، كشفت تحقيقات صحفية عن ممارسة “سفاري القناصين” خلال حرب البوسنة والهرسك في التسعينيات، حيث دفع سياح أثرياء مبالغ طائلة للمشاركة في عمليات قتل بدافع الترفيه. وقد سلط برنامج “استغراب” الضوء على هذه الظاهرة المروعة، التي تحولت فيها مدينة سراييفو المحاصرة إلى وجهة سياحية للراغبين في القتل، مما يثير تساؤلات عميقة حول الأخلاق والإنسانية في زمن الحرب.
وتعود تفاصيل هذه القضية المثيرة للجدل إلى فترة حصار سراييفو الطويل، حيث كانت المدينة تعاني من قصف عنيف ونقص حاد في الموارد. ووفقًا للتحقيقات، كان أفراد من دول مختلفة، بما في ذلك إيطاليا والولايات المتحدة، يدفعون ما بين 80 ألفًا و 100 ألف يورو مقابل رحلة “قنص بشري” في المدينة المحاصرة، مستغلين حالة الفوضى وانعدام القانون التي سادت آنذاك.
كيف يمهد الإعلام طريق القتل؟
ركز تحقيق “استغراب” بشكل خاص على الدور الذي لعبه الإعلام الصربي في تهيئة الرأي العام لارتكاب هذه الجرائم. فقد استخدم الإعلام الصربي أساليب دعائية ممنهجة تهدف إلى “نزع الإنسانية” عن المسلمين البوشناق، وتصويرهم على أنهم أعداء يستحقون الموت.
وتضمنت هذه الأساليب:
- بث الأكاذيب: نشرت القنوات التلفزيونية الصربية تقارير كاذبة تهدف إلى تشويه صورة المسلمين، مثل الادعاء بأنهم يطعمون الأطفال الصرب للحيوانات المفترسة.
- التلاعب بالتاريخ: استخدام صور ومواد تاريخية قديمة خارج سياقها لإثارة الكراهية والتحريض ضد المسلمين.
- استخدام لغة مهينة: وصف المسلمين بألفاظ تحقيرية وشتائم تهدف إلى إهانتهم وتجريدهم من كرامتهم الإنسانية.
- تهميش الحقائق: تجاهل أو التقليل من شأن الجرائم التي ارتكبها الصرب ضد المسلمين، والتركيز بدلاً من ذلك على روايات تبرر العنف وتلقي اللوم على الضحايا.
وقد أدت هذه الحملات الإعلامية إلى خلق مناخ من الكراهية والعنف، مما سهل على القناصين والجهات المتورطة في هذه الجرائم ارتكاب أفعالهم الشنيعة دون الشعور بالندم أو الذنب. هذا التلاعب الإعلامي يمثل مثالاً صارخاً على كيف يمكن للإعلام أن يستخدم كسلاح في الصراعات المسلحة.
التشابه مع الأحداث الجارية
أشار برنامج “استغراب” إلى أوجه التشابه المقلقة بين خطاب الكراهية الذي استخدمه الإعلام الصربي في التسعينيات، وبين التصريحات التي أدلى بها بعض المسؤولين الإسرائيليين مؤخرًا بشأن الفلسطينيين في غزة. فقد قارنت الحلقة بين وصف البوسنيين بـ”الجرذان” في الإعلام الصربي، وبين تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت الذي وصف فيه الفلسطينيين بأنهم “حيوانات بشرية”.
ويرى مراقبون أن هذا النوع من الخطاب يهدف إلى تبرير العنف والإبادة الجماعية ضد المدنيين، وتجريدهم من حقوقهم الإنسانية الأساسية. وتشير التحليلات إلى أن استخدام لغة مهينة وغير إنسانية يمكن أن يؤدي إلى تطبيع العنف وتسهيل ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية. هذه المقارنة تثير قلقًا بالغًا بشأن تكرار سيناريوهات مماثلة في مناطق أخرى من العالم.
وتشير التقارير إلى أن هذه الممارسات ليست مجرد حوادث فردية، بل هي جزء من نمط أوسع من العنف والتمييز الذي يستهدف المدنيين في مناطق الصراع. وتؤكد المنظمات الحقوقية على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، واتخاذ خطوات فعالة لمنع تكرارها في المستقبل.
الخذلان الدولي وسلام هش
وسط هذه الفظائع، اتسم رد فعل المجتمع الدولي بالتقاعس واللامبالاة. فقد فشلت الأمم المتحدة في حماية المدنيين في سراييفو، واكتفت بإصدار بيانات إدانة غير ملزمة. بالإضافة إلى ذلك، ساهم قرار حظر الأسلحة في تجريد البوسنيين من حق الدفاع عن أنفسهم ضد القوات الصربية المدججة بالسلاح.
وعلى الرغم من صمود القائد علي عزت بيغوفيتش ورفضه الاستسلام لمنطق الدولة العرقية، إلا أن المأساة انتهت بتوقيع اتفاقية ديتون عام 1995، التي أوقفت القتال لكنها أبقت الجرح غائراً بتقسيم البلاد على أسس عرقية.
يبقى موضوع “سفاري القناصين” تذكيراً مؤلماً بفظائع الحرب وتأثير الدعاية على العقول. ويستدعي هذا الكشف ضرورة تعزيز قيم التسامح والتعايش، ومحاربة خطاب الكراهية والتمييز بكل أشكاله.
من المتوقع أن تثير هذه التحقيقات ردود فعل دولية واسعة النطاق، وأن تدفع إلى فتح تحقيقات جديدة في الجرائم التي ارتكبت خلال حرب البوسنة والهرسك. كما من المحتمل أن يتم الضغط على السلطات الصربية للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتقديم المتورطين في هذه الجرائم إلى العدالة. يبقى مستقبل العدالة في البوسنة والهرسك غير واضح، لكن هذه القضية تمثل خطوة مهمة نحو كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.