رغم المخاطر.. كيف يمكن توظيف الجلوس لفترات طويلة من أجل حماية الذاكرة والوظائف الإدراكية؟

أظهرت مراجعة بحثية حديثة أن تأثير الجلوس على صحة الدماغ ليس مرتبطًا بالمدة الزمنية للجلوس بحد ذاتها، بل بالأنشطة التي يقوم بها الشخص أثناء الجلوس. وقد كشفت الدراسة، التي شملت بيانات من أكثر من مليون شخص، عن اختلافات كبيرة في النتائج الإدراكية بناءً على نوع النشاط الممارس.
نُشرت نتائج هذه المراجعة الشاملة في مجلة (Journal of Alzheimer’s Disease) في 21 يناير 2026، وشملت بيانات من 30 دولة. وتأتي هذه النتائج في وقت يزداد فيه الاهتمام العالمي بتأثير نمط الحياة على الصحة الإدراكية، خاصة مع تزايد أعداد كبار السن.
الجلوس والوظائف الإدراكية: ليست المدة هي كل شيء
لطالما ارتبط الجلوس لفترات طويلة بمخاطر صحية متعددة، بما في ذلك الأمراض القلبية الوعائية والسكري. ومع ذلك، تشير هذه الدراسة إلى أن التركيز يجب أن ينصب على كيفية قضاء الوقت أثناء الجلوس، وليس مجرد تقليل مدته. وفقًا للباحثين، فإن الجلوس مع ممارسة أنشطة محفزة عقليًا يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الدماغ.
أنشطة تعزز صحة الدماغ أثناء الجلوس
أظهرت الدراسة ارتباطًا وثيقًا بين الأنشطة التي تتطلب تفكيرًا نشطًا وتحسين الوظائف الإدراكية. وتشمل هذه الأنشطة القراءة، ولعب الورق والألغاز، واستخدام الحاسوب، وحتى القيادة. تساهم هذه الأنشطة في بناء ما يُعرف بـ “الاحتياطي الإدراكي”، وهو قدرة الدماغ على مقاومة التدهور المرتبط بالعمر.
في المقابل، ارتبطت الأنشطة السلبية مثل مشاهدة التلفزيون بتراجع في الذاكرة والقدرات الإدراكية. يعتقد الباحثون أن هذا يرجع إلى قلة التحفيز العقلي الذي توفره هذه الأنشطة.
وقال الأستاذ بول غاردينر من جامعة كوينزلاند: “بدلًا من التوصية العامة بتقليل الجلوس، يمكننا توجيه الناس نحو اختيار أنشطة ذهنية محفزة أثناء الجلوس”. وأضاف أن هذا التحول يمثل “تغييرًا واقعيًا وسهل التنفيذ يمكن أن يدعم صحة الدماغ على المدى الطويل ويقلل من خطر الإصابة بالخرف”.
تؤكد الباحثة سينثيا تشين، التي قادت العمل، على أن هذه النتائج لا تعني تشجيع زيادة وقت الجلوس. “يبقى النشاط البدني ضروريًا للصحة العامة”، كما صرحت، “ولكن عند الجلوس، وهو أمر شائع، فإن اختيار نشاط يحفز العقل قد يوفر حماية إضافية للدماغ”.
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل شيخوخة السكان عالميًا. فمع التقدم في العمر، يزداد خطر التراجع الإدراكي، ويعد الجلوس لفترات طويلة سلوكًا شائعًا بين كبار السن. ويذكر أن الخرف يصنف ضمن سابع أسباب الوفاة على مستوى العالم، وهو سبب رئيسي للإعاقة والاعتماد على الآخرين.
تشير الأبحاث إلى أن الأنشطة التي تتطلب تفكيرًا نشطًا وحل المشكلات والتعلم المستمر تساهم في تعزيز المرونة الإدراكية والوظائف التنفيذية، بالإضافة إلى الحفاظ على الذاكرة. وهذه الجوانب الإدراكية ضرورية للحفاظ على الاستقلالية ونوعية الحياة مع التقدم في السن.
بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم العلاقة بين الأنشطة المختلفة والوظائف الإدراكية يمكن أن يساعد في تطوير تدخلات وقائية أكثر فعالية. فبدلًا من التركيز فقط على تقليل الجلوس، يمكن للبرامج الصحية أن تشجع على ممارسة أنشطة محفزة عقليًا كجزء من نمط حياة صحي.
تُظهر هذه الدراسة أن جودة الوقت الذي يقضيه الشخص جالسًا، وليس فقط مدته، قد تكون عاملاً حاسمًا في الحفاظ على صحة عقلية جيدة مع التقدم في السن. وهذا يفتح الباب أمام مزيد من الأبحاث حول كيفية تحسين الأنشطة التي نقوم بها أثناء الجلوس لتعزيز صحة الدماغ.
من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات لتحديد الآليات البيولوجية التي تربط بين الأنشطة المحفزة عقليًا وتحسين الوظائف الإدراكية. كما سيتم استكشاف إمكانية تصميم تدخلات مخصصة بناءً على تفضيلات الأفراد وقدراتهم. من المهم متابعة هذه التطورات لفهم أفضل لكيفية الحفاظ على صحة الدماغ طوال الحياة.