أنس بوخش: رفضت التلفزيون لأصنع برنامجي على طريقتي | منوعات

رفض الإعلامي الإماراتي أنس بوخش جميع العروض المقدمة من القنوات التلفزيونية لبرنامجه الجديد، مفضلاً تقديم محتوى إعلامي مجاني عبر منصة يوتيوب يصل إلى جمهور عالمي واسع. هذا القرار يمثل تحولاً في استراتيجيات الإنتاج الإعلامي، حيث يختار بوخش الوصول المباشر للجمهور وتجاوز القيود التقليدية التي تفرضها المؤسسات التلفزيونية. يهدف هذا التوجه إلى تقديم محتوى أعمق وأكثر حرية، بعيداً عن المحددات الزمنية والرقابية.
بدأت هذه التجربة في ورشة عمل بسيطة تحولت إلى استوديو، حيث استضاف بوخش لاعب كرة القدم عمر عبد الرحمن في أول حلقة له، والتي استمرت لمدة ساعة ونصف. ركزت الحلقة على جوانب شخصية في حياة اللاعب، متجاوزةً الحديث التقليدي عن كرة القدم، مما أثار اهتماماً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.
الحوار الهادئ: رؤية جديدة في الإعلام العربي
أكد بوخش خلال استضافته في برنامج “كامل العدد” على قناة الجزيرة 360، أن تجربته السابقة في التلفزيون كانت محبطة، مما دفعه إلى إطلاق مشروعه الخاص. وأشار إلى أن البرامج التلفزيونية غالباً ما تقتصر على أسئلة سطحية ومحددة مسبقاً، ولا تتيح مساحة كافية للضيف للتعبير عن أفكاره ومشاعره بحرية.
روى بوخش موقفاً محددًا حدث له أثناء استضافته للفنان الراحل سمير غانم في برنامج صباحي، حيث لم يتم منحه سوى سبع دقائق لإجراء مقابلة مع هذه الأيقونة الكوميدية. اعتبر أن هذا التوقيت القصير والأسئلة المحددة مسبقاً يمثلان إهانة لقيمة الضيف وللمشاهد الذي يستحق محتوى أكثر عمقاً وتنوعاً.
أطلق المهندس الميكانيكي الإماراتي برنامج (إيه بي توكس) في عام 2018، بعد أن بدأ في تطوير الفكرة منذ عام 2014. تحدى بوخش التوقعات السائدة التي كانت ترى أن المحتوى الطويل لن يحقق النجاح على منصات التواصل الاجتماعي، مؤمناً بأن الجمهور يبحث عن محتوى ذي قيمة حقيقية يستحق وقتهم.
وحذره مسؤولون في يوتيوب من جدوى الفكرة قبل انتشار موجة البودكاست، لكنه أصر على رؤيته وقدم حلقة أسبوعية كل يوم ثلاثاء دون انقطاع على مدار سبع سنوات متتالية. هذا الالتزام المستمر ساهم في بناء قاعدة جماهيرية وفية للبرنامج، وتجاوزت عدد مشاهدات الحلقات الملايين.
فلسفة المحتوى العميق
يرى بوخش أن الإعلام العربي يحتاج إلى محتوى يتجاوز الألقاب والإنجازات، ويكشف عن الجانب الإنساني الحقيقي للشخصيات العامة. ويؤكد أن الناس معتادون على رؤية الجوائز والشهادات، لكنهم غالباً ما يفتقرون إلى المعرفة الحقيقية عن حياة هؤلاء الأشخاص وتحدياتهم وصراعاتهم.
يهدف بوخش من خلال برنامجه إلى كسر شعور الوحدة لدى المشاهدين، مستلهماً تجربته الشخصية عندما أصيب بتمزق في الرباط الصليبي وشعر بالعزلة. وجد بوخش العزاء والدعم في منتدى إلكتروني يضم أشخاصاً يعانون من نفس الإصابة، مما أثبت له أهمية التواصل وتبادل الخبرات.
ويؤمن بأن رؤية شخص آخر يمر بتجربة مماثلة يمكن أن تخفف الألم وتمنح الأمل، وهذا هو الهدف الأساسي الذي يسعى لتحقيقه من خلال برنامجه الذي يطرح قضايا حياتية عميقة ومهمة. كما يركز البرنامج على بناء حوارات هادئة ومفتوحة، بعيداً عن الصخب والإثارة التي تميز العديد من البرامج الإعلامية الأخرى.
تجارب شخصية وتأثيرها على البرنامج
تحدث بوخش بصراحة عن تجربته في الزواج والطلاق، مؤكداً أن انفصاله عن زوجته بعد تسع سنوات من الزواج جعله أباً أفضل لولديه ماجد وخالد. ويشبه نفسه قبل الطلاق بمحرك سيارة فيراري قوي، لكنه كان يعمل على سرعة منخفضة، بينما أصبح بعد الانفصال قادراً على الانطلاق بكامل طاقته دون قيود.
طور بوخش نظاماً خاصاً في التعامل مع ولديه بعد الانفصال، حيث يخصص وقتاً أسبوعياً للخروج مع كل ابن على حدة دون استخدام الهواتف المحمولة. هذا النظام يتيح لكل منهما التعبير عن شخصيته بحرية دون الشعور بالمقارنة أو التنافس مع أخيه. ويؤكد أن الانفصال كزوجين لا يعني الانفصال كأب وأم، وأن المجتمعات غالباً ما ترتكب خطأً فادحاً عندما تخلط بين الأمرين وتجعل الأطفال يدفعون ثمن فشل العلاقة الزوجية.
يطمح بوخش إلى توسيع نطاق برنامجه ليصبح منصة عالمية، مؤكداً أنه سيستمر في تقديمه حتى يبلغ من العمر 90 عاماً، إذا سمح له بذلك. ويعتبر هذا البرنامج المشروع الوحيد الذي يشعره بأنه يقدم قيمة حقيقية للحياة، من بين ستة مشاريع تجارية خاضها في الماضي.
من المتوقع أن يستمر برنامج (إيه بي توكس) في جذب المزيد من المشاهدين والضيوف، وأن يساهم في إثراء المشهد الإعلامي العربي بمحتوى متنوع وهادف. وسيكون من المثير للاهتمام متابعة تطور هذا المشروع وتأثيره على مستقبل الإعلام الرقمي في المنطقة. يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على جودة المحتوى والالتزام بالقيم التي يؤمن بها بوخش، في ظل المنافسة الشديدة من قبل المؤسسات الإعلامية التقليدية والناشئة.