حرب بلا رصاص.. مواجهات المعارضة والسلطة بإيران عبر الذكاء الاصطناعي

تشهد إيران تصاعدًا ملحوظًا في الحرب الدعائية، حيث تستخدم كل من الحكومة وقوى المعارضة تقنيات متطورة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية، للتأثير على الرأي العام وتشكيل السرديات وسط حالة من التعتيم المعلوماتي المتزايد. هذا الصراع الرقمي يتجاوز المواجهة الميدانية التقليدية، ويحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة معركة رئيسية.
ويأتي هذا التطور في سياق التوترات السياسية والاجتماعية المستمرة في البلاد، والتي تشمل احتجاجات شعبية وقمعًا أمنيًا متبادلًا. التقرير الصادر عن الصحفي الإيطالي أندريا موراتوري يسلط الضوء على الأساليب المتزايدة التعقيد التي يستخدمها الطرفان في هذا الصراع.
الحكومة الإيرانية وتصعيد الحرب الدعائية
تعتمد الحكومة الإيرانية على استراتيجية مزدوجة تتمثل في حجب المعلومات وتوليد بدائل زائفة لها. في ظل الإغلاق المتكرر للإنترنت، تسعى السلطات إلى السيطرة على تدفق الأخبار وتوجيه الرأي العام نحو روايتها الرسمية.
وتشير التقارير إلى أن النظام يستخدم مقاطع فيديو تم التلاعب بها أو توليدها بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، بهدف إظهار حشود ضخمة تدعم الحكومة. هذه المقاطع تهدف إلى خلق انطباع زائف بالتأييد الشعبي الواسع، خاصة في أوقات الاحتجاجات.
بالإضافة إلى ذلك، تقوم الماكينة الإعلامية الحكومية بإعادة نشر لقطات قديمة من أحداث سابقة، مثل جنازة قاسم سليماني، وتقديمها على أنها مشاهد معاصرة لدعم الحكومة. هذه الممارسة تهدف إلى تضليل الجمهور وتشويه صورة الاحتجاجات الحالية.
المعارضة واستخدام التكنولوجيا في مواجهة التعتيم
في المقابل، تستخدم قوى المعارضة، وخاصة تلك المقيمة في الخارج، التكنولوجيا أيضًا في محاولتها للتأثير على الرأي العام. وتشير التقارير التقنية إلى وجود شبكات واسعة من الحسابات الوهمية (البوتات) على منصات التواصل الاجتماعي، تعمل بشكل منسق لتعزيز خطاب المعارضة ونشر المعلومات.
ومع ذلك، فإن استخدام هذه الحسابات الوهمية يثير تساؤلات حول مصداقية المعلومات التي يتم نشرها. فقد يتم تضخيم بعض الروايات أو نشر معلومات مضللة بهدف إرباك النظام وتدويل الأزمة.
وتشير بعض المصادر إلى أن مقاطع “التزييف العميق” (Deepfakes) التي تنتجها أطراف محسوبة على المعارضة قد حققت ملايين المشاهدات، مما يعكس قدرة هذه التقنيات على التأثير على الرأي العام.
الدور الإقليمي والدولي في الصراع المعلوماتي
لا يقتصر الصراع المعلوماتي في إيران على الأطراف المحلية، بل يمتد ليشمل فاعلين إقليميين ودوليين. فقد رصدت تقارير نشاطًا مكثفًا لحسابات مرتبطة بإسرائيل تستغل الزخم الاحتجاجي لتوجيه الرأي العام ضد طهران.
هذا التدخل الخارجي يزيد من تعقيد المشهد المعلوماتي ويجعل من الصعب تحديد مصادر المعلومات الحقيقية. كما أنه يثير تساؤلات حول دوافع هذه الأطراف وهدفها من وراء هذا التدخل.
ضحايا “منطقة الظل” المعلوماتية
النتيجة النهائية لهذه الحرب الدعائية هي خلق ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية”، حيث يختلط الحق بالباطل ويصعب على المراقبين الدوليين تقييم الوضع على الأرض بشكل دقيق.
ويؤكد الخبراء أن المواطن الإيراني هو الضحية الكبرى لهذا الصراع، حيث يتم استغلال مطالبه المشروعة وتجييرها لصالح صراعات جيوسياسية.
إن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأزمة الإيرانية يعكس مرحلة جديدة من “الحروب المعرفية”، حيث لا يهدف التضليل فقط إلى إقناع الجمهور بكذبة ما، بل إلى إيصاله لحالة من الشك المطلق في كل ما يراه ويسمعه.
من المتوقع أن يستمر هذا الصراع المعلوماتي في التصاعد في الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الإيرانية. سيكون من المهم مراقبة تطورات هذا الصراع وتقييم تأثيره على الرأي العام والاستقرار الإقليمي. كما يجب على المراقبين الدوليين بذل جهود لتعزيز الشفافية والتحقق من المعلومات، بهدف مكافحة التضليل وحماية حقوق المواطنين الإيرانيين.