منوعات

من روكسيلانا إلى هند الحسيني.. نساء تركن بصماتهن في القدس

حظيت النساء بدور كبير في مدينة القدس عبر العصور، تاركات بصماتهن الواضحة في العمارة والتراث. وقد تجلى هذا الدور في إنشاء مبانٍ ضخمة بأمر منهن، لتشكل معًا ما يُعرف بـ العمارة النسوية في القدس، وهي ظاهرة تعكس نفوذًا وازدهارًا ثقافيًا واجتماعيًا فريدًا. يعود تاريخ هذه المباني إلى فترات مختلفة، بدءًا من العصر المملوكي وصولًا إلى العصر العثماني، وتشهد على مساهماتهن في تشكيل الهوية المعمارية للمدينة.

وتُظهر دراسة هذه المباني، وفقًا للباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية، تطورًا ملحوظًا في فن الزخرفة المعمارية، خاصة في الفترة المملوكية. حيث تم دمج عناصر معمارية تركية وسلجوقية مع تأثيرات من شمال أفريقيا والمغرب، مما أدى إلى ظهور تحف فنية متناسقة. بينما تميزت العمارة النسوية العثمانية بالضخامة والدقة في وضع الأحجار، مع زخارف أقل مقارنة بالفترة المملوكية.

روكسيلانا ودورها في العمارة النسوية

من أبرز الشخصيات النسائية التي تركت بصمة واضحة في القدس هي السلطانة روكسيلانا، زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني. فقد أمرت ببناء حمام عام في طريق الواد، والذي تحول لاحقًا إلى الكنيسة البولندية. يعكس هذا البناء المشروع الخيري الضخم الذي أطلقته روكسيلانا، والذي كان يهدف إلى دعم المؤسسات الدينية والاجتماعية في المدينة.

كانت أرباح هذا الحمام، بالإضافة إلى مرافق أخرى تملكها روكسيلانا، تُنفق على تكية خاصكي سلطان، وهي مؤسسة خيرية كبيرة. لاحقًا، أُهمل الحمام في الفترة العثمانية المتأخرة، ثم استولى عليه بطريرك الأرمن الكاثوليك في بداية القرن العشرين، ليتحول إلى كنيسة على الطراز الأرمني.

تكية خاصكي سلطان: إرث خيري مستمر

تقع تكية خاصكي سلطان على مقربة من باب المجلس، وهي من أهم المعالم الأثرية في القدس. تم بناء التكية بأمر من السلطانة روكسيلانا، وكانت تهدف إلى إطعام الفقراء والمحتاجين. في عهدها، كانت التكية تُطعم حوالي ألفي شخص يوميًا.

لم تقتصر التكية على تقديم الطعام، بل احتوت أيضًا على سبيل ومسجد وبيوت لإيواء الزوار والعلماء. ولا تزال التكية تفتح أبوابها حتى اليوم، حيث تُقدم الطعام لنحو 500 شخص يوميًا، ويتضاعف هذا العدد خلال شهر رمضان. أما بقية مرافق التكية فقد تحولت إلى مدرسة دار الأيتام الإسلامية.

قصر الست طنشق: تحفة معمارية مملوكية

بالقرب من باب السلسلة، يقع قصر الست طنشق، وهو مبنى تاريخي يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي. تُعرف الست طنشق بأنها أميرة واسعة الثراء من كازاخستان، قررت التعبد في القدس والتصوف، فأمرت ببناء هذا القصر الضخم.

يتميز القصر بواجهته المزخرفة والمنقوشة، والتي تعتبر من أجمل الواجهات المعمارية في القدس. تم استخدام نظام الأبلق والمكسلة في الزخرفة، بالإضافة إلى النقوش والرسومات الإسلامية التقليدية. تحول القصر لاحقًا إلى منزل لعائلة التوتنجي، ولا يزال قائمًا حتى اليوم.

مدرسة الست آغل خاتون: رعاية التعليم في القدس

تعتبر مدرسة الست آغل خاتون، الواقعة على السور الغربي للمسجد الأقصى، من أقدم المدارس العثمانية في القدس. تم بناء المدرسة بأمر من الأميرة آغل خاتون، زوجة الصدر الأعظم العثماني، في عام 1437 ميلادية.

كانت المدرسة مخصصة لتعليم القرآن والعلوم الإسلامية، وكانت تستقبل الطلاب والعلماء من مختلف المناطق. كما كانت توفر سكنًا للطلاب والزوار. ولا تزال المدرسة قائمة حتى اليوم، وتعتبر من المعالم التاريخية الهامة في المدينة.

رباط النساء: ملاذ للمرأة المتعبدة

يقع رباط النساء بالقرب من باب السلسلة، وهو مبنى تاريخي يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي. يُقال إن الرباط تم بناؤه بأمر من الأميرة تركان خاتون من داغستان، وكان مخصصًا لإيواء النساء الزائرات للمسجد الأقصى اللواتي يرغبن في التعبد والرباط.

تحول الرباط لاحقًا إلى منزل، ولا يزال قائمًا حتى اليوم. يعكس هذا المبنى أهمية دور المرأة في الحياة الدينية والاجتماعية في القدس.

دار الطفل العربي: استمرار العطاء النسائي

تأسست مؤسسة دار الطفل العربي بعد نكبة عام 1948، بهدف رعاية الأيتام وتوفير التعليم لهم. تبرعت السيدة المقدسية هند الحسيني، المتوفاة عام 1994، بإنشاء الدار، والتي تحولت لاحقًا إلى مدرسة رائدة في مجال التعليم في القدس. تُعد دار الطفل العربي مثالًا على استمرار العطاء النسائي في خدمة المجتمع الفلسطيني.

من المتوقع أن تستمر الجهود في ترميم والحفاظ على هذه المعالم التاريخية، مع التركيز على إبراز دور المرأة في تشكيل الهوية الثقافية والمعمارية للقدس. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه هذه الجهود، بما في ذلك نقص التمويل والقيود المفروضة من قبل السلطات الإسرائيلية. يجب متابعة التطورات المتعلقة بوضع هذه المباني، والعمل على ضمان حمايتها واستدامتها للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى