اقتصاد

فجوة مالية بـ79 مليار دولار.. الحرب تعمّق أزمة الاقتصاد الإسرائيلي

كشفت الحرب على غزة عن تحديات هيكلية كبيرة في النظام الاقتصادي الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بالقدرة على تمويل الإنفاق الدفاعي المتزايد. تشير تقديرات حديثة إلى وجود فجوة تمويلية دفاعية محتملة تصل إلى 250 مليار شيكل (حوالي 79 مليار دولار) خلال العقد القادم، مما يضع الحكومة الإسرائيلية أمام خيارات صعبة تتضمن زيادة الضرائب، أو الاقتراض، أو تقليص الإنفاق المدني. هذا الوضع يثير تساؤلات حول استدامة النموذج الاقتصادي الحالي وقدرته على مواجهة التحديات المستقبلية.

وتواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطًا متزايدة من مختلف الأطراف. فمن جهة، هناك مطالب بتعزيز الإنفاق الدفاعي لضمان الأمن القومي، ومن جهة أخرى، هناك مخاوف بشأن تأثير أي زيادة في الضرائب على الطبقات الوسطى والعليا، بالإضافة إلى استحالة زيادة العبء الضريبي على الفئات الأقل دخلًا. وتأتي هذه التحديات في ظل مؤشرات اقتصادية متباينة تشير إلى تباطؤ النمو المحتمل.

أزمة في النظام الضريبي الإسرائيلي

أظهرت بيانات حديثة صادرة عن مصلحة الضرائب الإسرائيلية أن الأزمة تتجاوز الحاجة المؤقتة لزيادة الإيرادات، لتصل إلى جوهر النموذج الضريبي والاقتصادي نفسه. ووفقًا لورقة بحثية أعدها أربعة اقتصاديين في المصلحة، فإن النظام الضريبي الإسرائيلي يواجه جمودًا خطيرًا بسبب اعتماده بشكل كبير على شريحة ضيقة من دافعي الضرائب.

وتتحمل الشريحة العشرية الأعلى دخلًا، والتي تشكل حوالي 10% من السكان، ما يقرب من 63% من إجمالي الضرائب المباشرة. ويبلغ متوسط العبء الضريبي على هذه الشريحة حوالي 29% من الدخل، أي ما يقارب 20 ألف شيكل (6250 دولار) شهريًا للفرد الواحد. هذا التركيز الضريبي قد يضعف الحوافز الاقتصادية ويزيد من مخاطر هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمار، خاصة في القطاعات التكنولوجية المتقدمة.

تحديات النمو الاقتصادي

على الرغم من تحقيق الدولة لإيرادات ضريبية قياسية تتجاوز 500 مليار شيكل (156 مليار دولار) وفائض يقارب 40 مليار شيكل (حوالي 12.5 مليار دولار)، فإن هذا لا يعكس تحسنًا هيكليًا في الاقتصاد. ويرى خبراء اقتصاديون أن جزءًا كبيرًا من هذا الفائض يعزى إلى عوامل ظرفية، مثل التسويات الضريبية المؤقتة والتضخم وبعض الإجراءات الاستثنائية لزيادة الجباية، ولا يمكن الاعتماد عليها كمصدر دائم لتمويل الالتزامات طويلة الأجل.

وتشير تحليلات وزارة المالية الإسرائيلية إلى أن الإيرادات الحالية قد لا تكون كافية لسد فجوة التمويل الدفاعي المقدرة، والتي تمثل تكلفة الحرب خلال العامين القادمين فقط. وهذا يضع الدولة أمام مأزق مالي طويل الأمد يتطلب حلولاً جذرية.

خيارات الحكومة الصعبة

في ظل هذا الواقع، تبدو خيارات الحكومة محدودة. فزيادة الضرائب على الطبقات الوسطى والعليا قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة الاستياء الاجتماعي. ومع ذلك، فإن الاقتراض الإضافي سيرفع الدين العام وتكاليف خدمته، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا. أما تقليص الإنفاق المدني فقد يؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي ويعمق الفجوات الاجتماعية.

واقترحت بعض الجهات تطبيق إجراءات ضريبية جديدة، مثل ضريبة عقارية على الأراضي، وضريبة إضافية على البنوك، ورفع معدلات الضرائب على السيارات الكهربائية. ومع ذلك، يعتقد الكثيرون أن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية لحل المشكلة بشكل جذري، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية.

مستقبل السياسة الضريبية الإسرائيلية

تشير الدراسات إلى أن الحل المستدام يكمن في تعزيز النمو الاقتصادي وتقليص التفاوت الاجتماعي. وهذا يتطلب توسيع قاعدة دافعي الضرائب بدلًا من زيادة العبء على الفئات نفسها، وهو ما يستدعي إصلاحات هيكلية في سوق العمل والتعليم، بالإضافة إلى تحقيق الاستقرار الأمني والإقليمي. من المتوقع أن تناقش الحكومة الإسرائيلية هذه الخيارات في الأشهر المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار التداعيات الاجتماعية والسياسية المحتملة لكل قرار. يُعد الحفاظ على الاستقرار المالي الإسرائيلي وإيجاد حلول للتحديات الاقتصادية الأمر الأكثر أهمية في الوقت الحالي.

وفي الختام، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي تحديات كبيرة في ظل الظروف الراهنة. من المرجح أن يشهد عام 2026 تطورات هامة فيما يتعلق بالتخطيط المالي والسياسات الضريبية، مع احتمالية تبني بعض الإجراءات القصيرة الأجل لتخفيف الضغط المالي الفوري. يبقى مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي معلقًا على قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات صائبة وموازنة بين الأولويات المختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى