كيف استغل الساسة كرة القدم لتغييب الشعوب عبر التاريخ؟ | ثقافة

لطالما تردد مصطلح “كرة القدم أفيون الشعوب”، وهو تعبير مجازي مستوحى من مقولة كارل ماركس الشهيرة، لكن الأحداث التاريخية والسياسية تثبت أن هذه العبارة تحمل في طياتها قدراً كبيراً من الحقيقة. ففي أوقات القمع والظلم، غالباً ما تتحول كرة القدم إلى متنفس مؤقت للشعوب، وأداة فعالة لصرف الانتباه عن المشكلات الحقيقية، وهو ما استغلته الأنظمة السياسية على مر العقود ببراعة.
تستعرض هذه المقالة كيف استخدمت الأنظمة الديكتاتورية والشمولية كرة القدم كأداة سياسية لتشتيت الرأي العام، وتعزيز الشرعية، وإخفاء ممارسات القمع، وذلك من خلال أمثلة تاريخية من البرازيل والأرجنتين وإيطاليا والصين، مع التركيز على كيفية استغلال هذه الأنظمة لشعبية الرياضة لتحقيق أهدافها السياسية.
البرازيل.. كرة القدم كغطاء سياسي
مع بداية حكم إميليو ميديشي في البرازيل عام 1969، شهدت البلاد تحولاً ملحوظاً في استخدام كرة القدم كأداة سياسية. استغلت الحكومة سحر “اللعبة الجميلة” (Jogo Bonito) لإلهاء الشعب عن القمع السياسي والانتهاكات التي كانت تحدث في البلاد. تدخل الرئيس ميديشي بشكل مباشر في شؤون الرياضة، وأمر ببناء ملاعب جديدة، وحاول فرض لاعبين معينين على المنتخب الوطني.
وصل الأمر إلى طرد المدرب جواو سالدانيا حين رفض الانصياع لأوامره المتعلقة بتشكيلة الفريق. وعندما فاز المنتخب البرازيلي بكأس العالم، أعلن الرئيس ميديشي يوم الفوز عطلة وطنية، واعتبر هذا الاحتفال “أعلى صور الوطنية”، واستخدم صورته مع الفريق كرمز لانتصار سياسي.
الأرجنتين وكأس العالم 1978
لم يختلف الوضع في الأرجنتين في ظل الحكم الديكتاتوري عام 1978. استُخدمت استضافة كأس العالم لتلميع صورة الدولة التي كانت تعاني من سمعة سيئة بسبب القمع والتعذيب الذي كان يمارس ضد المعارضين السياسيين. بينما كانت الجماهير تحتفل في ملعب مونيمونتال، كان المعارضون يتعرضون للتعذيب في سجون سرية على مقربة من الملعب.
نجحت هذه الخطة في تصوير الأرجنتين على أنها “أكثر دولة سعيدة” بعد الفوز بالبطولة، وذلك بفضل التغطية الإعلامية التي ركزت على الاحتفالات والإنجاز الرياضي، وتجاهلت الانتهاكات الحقوقية التي كانت تحدث في البلاد. هذا الاستغلال للرياضة يمثل مثالاً صارخاً على كيفية استخدام الأحداث الرياضية الكبرى لتغطية الحقائق المرة.
الفاشية الإيطالية واستغلال كرة القدم
قبل ذلك بعقود، استخدمت إيطاليا الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني كرة القدم كمنصة للدعاية السياسية في عام 1934. سعى موسوليني إلى ربط الفوز في كأس العالم بهيبة الدولة وتعزيز مكانة روما كقوة عالمية. تمكن المنتخب الإيطالي من الفوز باللقب مرتين متتاليتين، لكن هذا النجاح لم يكن مجرد نتيجة للمهارة الرياضية.
وفقاً لمصادر تاريخية، مارس موسوليني ضغوطاً كبيرة على لاعبي المنتخب، وهددتهم بشعار “ارفعوا كؤوسكم أو نعوشكم”. كما تم الضغط على الحكام لتسهيل فوز إيطاليا. استخدم موسوليني كرة القدم لإظهار قوته وسيطرته، وتعزيز صورته كقائد قوي.
النموذج الصيني الحديث
في العصر الحديث، حاولت الصين تكرار هذه التجربة من خلال “خطة إصلاح كرة القدم 2015” التي تهدف إلى تحويل الصين إلى قوة عظمى في كرة القدم بحلول عام 2050. ضخت الدولة ميزانيات ضخمة لشراء نجوم عالميين وبناء ملاعب جديدة، وتدريب ملايين اللاعبين الشباب.
ومع ذلك، اصطدمت هذه الخطة بـ”فقاعة كرة القدم”، حيث فشل المال في خلق ثقافة رياضية حقيقية. تفتقر الصين إلى الاهتمام الشعبي بكرة القدم والخبرة العملية اللازمة لتحقيق النجاح على المدى الطويل. انهارت العديد من الأندية بمجرد توقف التمويل الحكومي.
على الرغم من الجهود المبذولة من قبل المؤسسات الدولية، مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لفصل الرياضة عن السياسة، يظل التاريخ شاهداً على أن كرة القدم كانت ولا تزال أداة قوية في يد الأنظمة السياسية، تعكس طبيعة السلطة وتستخدم لتغييب الوعي وتشتيت الانتباه عن القضايا الحقيقية. الرياضة، بشكل عام، يمكن أن تكون أداة للتأثير الاجتماعي والسياسي.
من المتوقع أن يستمر النقاش حول العلاقة بين السياسة والرياضة في المستقبل، خاصة مع استعداد العديد من الدول لاستضافة أحداث رياضية كبرى. سيكون من المهم مراقبة كيفية تعامل الحكومات مع هذه الأحداث، وما إذا كانت ستستغلها لتحقيق أهداف سياسية أم ستركز على تعزيز القيم الرياضية الحقيقية.