تسلسل التصعيد من حضرموت إلى المهرة

في ظل التوترات المتصاعدة في شرق اليمن، وخاصة في محافظتي حضرموت والمهرة، برزت خلال الأشهر الأخيرة تطورات متسارعة أعادت تشكيل المشهد الميداني. وتأتي هذه التطورات نتيجة لتداخل المصالح السياسية والأمنية، وتصاعد التنافس بين القوى المحلية على النفوذ والموارد، مما أدى إلى سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على مناطق واسعة. هذا التصعيد يثير قلقاً إقليمياً ودولياً، ويضع مستقبل المنطقة على المحك، خاصة مع تداعياته المحتملة على استقرار اليمن.
شهدت المنطقة خلال نوفمبر وديسمبر 2025 تحولات جذرية، بدأت بتشكيل قوات حماية حضرموت المدعومة من القبائل المحلية، ثم تطورت إلى اشتباكات مسلحة مع قوات الدعم الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وانتهت بسيطرة المجلس على معظم مناطق حضرموت والمهرة. هذه الأحداث تعكس هشاشة الوضع الأمني والسياسي في اليمن، وصعوبة تحقيق الاستقرار في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف المتنازعة.
تصاعد المواجهة في حضرموت والمهرة
تعود جذور التوتر في حضرموت إلى عام 2023، مع بروز خلافات حول إدارة الموارد النفطية وتوزيعها، بالإضافة إلى طبيعة السلطة المحلية. ومع استمرار هذا الاحتقان، انتقل المشهد تدريجياً من خلافات سياسية إلى خطوات ميدانية، تمثلت في تشكيل قوات حماية حضرموت، التي أعلنت هدفها حماية المحافظة وثرواتها.
في يونيو/حزيران 2024، أعلن حلف قبائل حضرموت تشكيل قوة عسكرية تابعة له تحت مسمى “قوات حماية حضرموت”، وانتشرت في وادي حضرموت، معتبرةً ذلك خطوة ضرورية لحماية مصالح أبناء المحافظة.
ومع مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تصاعدت الاحتكاكات بين قوات حماية حضرموت وقوات الدعم الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، خاصة في المناطق الغنية بالنفط. وقد عقد حلف قبائل حضرموت اجتماعاً استثنائياً في منطقة العليب، منح فيه تفويضاً لقوات حماية حضرموت للتحرك لمواجهة ما وصفه بـ”القوات القادمة من خارج المحافظة”.
في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن الحلف سيطرته على منشآت حقول نفط المسيلة، مؤكداً أن هذه الخطوة تهدف إلى حماية الثروات الوطنية ومنع أي تدخل خارجي.
تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي
في المقابل، رد المجلس الانتقالي الجنوبي بتعبئة قواته ودفعها إلى حضرموت والمهرة. وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني، نظم المجلس فعالية جماهيرية كبيرة في سيئون، تزامنت مع وصول آلاف المسلحين من مختلف المحافظات الجنوبية.
أطلق المجلس الانتقالي عملية عسكرية أطلق عليها اسم “المستقبل الواعد” في 3 ديسمبر/كانون الأول، وتمكن من السيطرة على أجزاء واسعة من وادي حضرموت ومدينة سيئون، بما في ذلك مطار سيئون.
تواصلت التطورات الميدانية، وخلال الأيام التالية، سيطرت قوات المجلس على معظم مناطق المهرة، بما في ذلك مطار الغيضة، وأعلنت سيطرتها الكاملة على المحافظة في 9 ديسمبر/كانون الأول.
تداعيات السيطرة الجديدة على الوضع في اليمن
أثارت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة موجة من القلق الإقليمي والدولي، خشية من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع. واعتبرت بعض الأطراف هذه الخطوة محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، وتقويض جهود السلام.
وتشير التقارير إلى أن هذه التطورات قد تؤثر على عملية نقل السلطة، وتزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار في اليمن. كما أنها قد تعيق جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتزيد من معاناة الشعب اليمني.
بالإضافة إلى ذلك، فإن السيطرة على الموارد النفطية في حضرموت والمهرة قد تؤدي إلى تفاقم الخلافات بين الأطراف المتنازعة، وزيادة التنافس على النفوذ والثروة. هذا التنافس قد يهدد وحدة اليمن، ويؤدي إلى مزيد من الانقسامات والتطرف. وتشكل هذه التطورات تحدياً كبيراً لنجاح مفاوضات السلام والحصول على حل سياسي شامل للأزمة اليمنية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
أعربت العديد من الدول والمنظمات الدولية عن قلقها العميق إزاء التطورات في حضرموت والمهرة، ودعت إلى الهدوء وضبط النفس. وطالبت الأطراف المتنازعة بالعودة إلى طاولة المفاوضات، والتوصل إلى حل سلمي يضمن حقوق جميع اليمنيين.
كما دعت هذه الأطراف إلى احترام سيادة اليمن ووحدة أراضيه، والتأكيد على أهمية تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة. وشددت على ضرورة تنسيق الجهود الإقليمية والدولية لدعم جهود السلام، وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من التطورات، خاصة فيما يتعلق بالمساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد. وستركز الجهود على إقناع الأطراف المتنازعة بالعودة إلى الحوار، والتوصل إلى اتفاق يضمن تقاسم السلطة والثروة بشكل عادل. ومع ذلك، لا يزال الوضع غامضاً، وهناك احتمال كبير لتصاعد العنف، في ظل استمرار الخلافات العميقة بين الأطراف المتنازعة.