تتأخر مرارا؟ لماذا قد يكون سوء الالتزام بالمواعيد علامة لاضطراب فرط الحركة؟

تزايد الاهتمام بمفهوم عمى الوقت في الآونة الأخيرة، خاصةً مع انتشار الحديث عن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) على وسائل التواصل الاجتماعي. يشير هذا المفهوم إلى صعوبة تقدير المدة اللازمة لإنجاز المهام، أو مقدار الوقت الذي انقضى بالفعل، وهو ما يؤثر بشكل كبير على إدارة الوقت والالتزام بالمواعيد. وعلى الرغم من ارتباطه الوثيق باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، إلا أن فهم طبيعته وآثاره يتجاوز مجرد التشخيص الطبي.
أظهرت دراسات حديثة، بالإضافة إلى ملاحظات الخبراء، أن هذه الظاهرة ليست مجرد مسألة تأخر عرضي، بل قد تكون مؤشراً على تحديات أعمق في الوظائف التنفيذية للدماغ. وقد أثارت هذه القضية نقاشاً حول التمييز بين حالة طبية معترف بها وبين سلوكيات ناتجة عن سوء التنظيم أو عدم الاهتمام بمواعيد الآخرين.
ما هو عمى الوقت وأسبابه؟
يُعرّف عمى الوقت بأنه ضعف في الإدراك الزمني، أو صعوبة في تقدير طول الفترات الزمنية. وصفه عالم النفس العصبي راسل باركلي في عام 1997 بأنه “قصر النظر الزمني”، مشبهاً إياه بصعوبة رؤية الأشياء البعيدة.
وفقاً للخبراء، يرتبط عمى الوقت بشكل وثيق بالفصوص الجبهية من الدماغ، وهي المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التخطيط والتنظيم والذاكرة العاملة. اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، المعروف بتأثيره على هذه الوظائف، غالباً ما يترافق مع صعوبات في تقدير الوقت بشكل دقيق.
العلاقة بين اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وعمى الوقت
تشير المعالجة النفسية ستيفاني ساركيس إلى أن التأخر قد يكون مشكلة لدى الكثيرين، لكن مع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، يصبح هذا التأخر “قصوراً وظيفياً” يؤثر على مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات، والعمل، والإدارة المالية. وبالتالي، لا يمكن اعتبار التأخر مجرد صفة شخصية، بل قد يشير إلى حالة تتطلب دعماً وعلاجاً.
هل التأخر هو دائماً عيب؟ أسباب أخرى محتملة
على الرغم من أن عمى الوقت قد يكون مرتبطاً باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، إلا أن التأخر قد يكون له أسباب أخرى. يقول المعالج جيفري ميلتزر إن بعض الأشخاص يتجنبون الوصول مبكراً بسبب القلق الاجتماعي، أو عدم الراحة من المحادثات العابرة.
قد يكون التأخر أيضاً وسيلة لاستعادة الشعور بالسيطرة على الحياة، خاصةً لدى الأشخاص الذين يشعرون بالإرهاق والضغط. وهذا ما يعرف بـ “تسويف وقت النوم الانتقامي”، حيث يسهرون لاستعادة بعض الوقت لأنفسهم. في بعض الحالات، قد يكون التأخر نابعاً من شعور بالاستحقاق، حيث يرى الشخص أن وقته أكثر أهمية من وقت الآخرين.
استراتيجيات التعامل مع صعوبات تقدير الوقت
بغض النظر عن السبب، تؤكد ساركيس على أهمية تحمل مسؤولية تأثير التأخر على الآخرين. وتقترح استخدام أدوات بسيطة مثل الساعات الذكية، وتطبيقات حجب المشتتات، وتقسيم المهام إلى خطوات صغيرة، وتجنب الإفراط في التخطيط اليومي.
كما أن فهم الأسباب الكامنة وراء التأخر يساعد في اختيار الاستراتيجيات المناسبة. على سبيل المثال، قد يحتاج الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي إلى ممارسة تقنيات الاسترخاء، أو تجنب المواقف التي تثير قلقهم. أما الأشخاص الذين يشعرون بالاستحقاق، فقد يحتاجون إلى العمل على تطوير احترامهم وتقديرهم لوقت الآخرين.
مستقبل البحث حول عمى الوقت
لا يزال البحث حول عمى الوقت وتأثيره على الحياة اليومية في مراحله الأولى. يركز الخبراء حالياً على تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة، وفهم أفضل للآليات العصبية الكامنة وراء هذه الظاهرة. كما أنهم يبحثون في فعالية التدخلات المختلفة، مثل العلاج السلوكي المعرفي، والأدوية المنبهة، والتقنيات المساعدة.
من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة مزيداً من الأبحاث في هذا المجال، مما قد يؤدي إلى تطوير استراتيجيات أكثر فعالية لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في تقدير الوقت. وما من شأنه أن يسلط الضوء على أهمية فهم هذه الظاهرة وتوفير الدعم اللازم للأشخاص المتأثرين بها.