“خريطة رأس السنة”.. فيلم مصري بهوية أوروبية وجمهور غائب

بدأ مؤخرًا عرض فيلم “خريطة رأس السنة” في دور السينما المصرية، وهو ما أثار فضول البعض وتساؤلات البعض الآخر، خاصةً مع قلة الدعاية المصاحبة للعرض. الفيلم، الذي يعتبر تجربة فريدة من نوعها في السينما المصرية، يطرح قصة تدور أحداثها في أوروبا، ويشارك في بطولتها مجموعة من الممثلين المصريين المعروفين. هذا الفيلم يثير نقاشًا حول مفهوم **الفيلم المصري** وما إذا كان بالإمكان تقديم أعمال مصرية الهوية في سياقات إنتاجية وثقافية مختلفة.
الفيلم من إخراج رامي الجندي، وتأليف يوسف وجدي، وبطولة ريهام عبد الغفور، ومحمد ممدوح، ومصطفى أبو سريع، وأسماء أبو اليزيد، وهنادي مهنا، بالإضافة إلى مشاركة الطفل آسر. تدور أحداثه حول رحلة طفل يواجه تحديات مختلفة في محاولة للتواصل مع والدته، مع لمسة من أجواء عيد الميلاد.
“خريطة رأس السنة” – هل هو فيلم مصري حقًا؟
من اللحظة الأولى للعرض، يضع الفيلم المشاهدين أمام واقع مختلف، فقد تم تصوير جميع مشاهد الفيلم في دول أوروبية متعددة، مع استخدام اللغة الإنجليزية كلغة رئيسية في الحوار. هذا الأمر يثير تساؤلات حول الهوية المصرية للفيلم، وكيف يمكن اعتباره جزءًا من الإنتاج السينمائي المحلي في ظل هذه الظروف. يبدو الفيلم وكأنه عمل أجنبي يشارك فيه ممثلون مصريون، وليس العكس.
هذا الشعور بالاغتراب لا يقتصر على المكان أو اللغة فحسب، بل يمتد ليشمل القصة نفسها، التي تبدو وكأنها مستوحاة من أفلام الكريسماس الغربية التقليدية. وهذا يطرح سؤالاً حول مدى قدرة الفيلم على التواصل مع الجمهور المصري، الذي قد لا يجد نفسه منعكسًا في هذه القصة والأجواء.
قصة الفيلم تركز على الطفل نور ورحلته في مدرسته الداخلية بأوروبا، بالإضافة إلى علاقته بخالته بيبا، التي تعاني من متلازمة داون، وصديقتها لي لي. وتحمل القصة رسائل إيجابية حول التسامح وتقبل الآخر، ولكنها تقدم في إطار درامي يبدو بعيدًا عن الواقع المصري.
أجواء الكريسماس وتباين الثقافات
يتمحور جزء كبير من أحداث الفيلم حول أجواء عيد الميلاد، وهي مناسبة لا تحظى بنفس الشعبية في مصر كما هو الحال في الدول الغربية. وهذا يجعل الفيلم يبدو وكأنه يستهدف جمهورًا معينًا، وهو الجمهور الذي يشارك في هذه الاحتفالات أو على الأقل يتعاطف معها. ومع ذلك، فإن الفيلم لا يقدم تفسيرًا واضحًا لسبب اختيار هذه المناسبة كإطار للأحداث، مما يزيد من الشعور بالتباعد بين الفيلم والجمهور المحلي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الفيلم يعرض بعض الشخصيات التي تعاني من صعوبات في التواصل الاجتماعي، مثل متلازمة داون والتوحد، ولكن المعالجة الدرامية لهذه الشخصيات تبدو سطحية وغير متعمقة. وهذا قد يثير انتقادات من قبل الأوساط المهتمة بهذه القضايا، التي قد ترى أن الفيلم يختزل هذه الشخصيات في مجرد أدوار هامشية تخدم الحبكة الدرامية.
التحديات الإنتاجية وجمهور الفيلم المستهدف
الفيلم يواجه تحديًا كبيرًا في تحديد الجمهور المستهدف. فمن ناحية، يبدو الفيلم موجهًا للأطفال والمراهقين، نظرًا لتركيزه على قصة الطفل نور ومغامراته. ومن ناحية أخرى، فإن الفيلم يتناول قضايا إنسانية واجتماعية قد تهم البالغين أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن الفيلم يتميز بأسلوب سينمائي حديث ومختلف، قد يجذب شريحة معينة من الجمهور التي تبحث عن تجارب سينمائية جديدة.
إلا أن هذه التعددية في الجمهور المستهدف قد تؤدي إلى فقدان الفيلم لجاذبيته بالنسبة لأي من هذه الشرائح. فبينما قد يجد الأطفال الفيلم ممتعًا، إلا أنهم قد لا يفهمون بعض الرسائل التي يحملها. وفي الوقت نفسه، قد يجد البالغون الفيلم بسيطًا وسطحيًا، وغير قادر على تقديم رؤية عميقة للقضايا التي يتناولها.
من المتوقع أن يتم تقييم أداء “خريطة رأس السنة” في شباك التذاكر خلال الأيام القليلة القادمة، وهو ما سيعطي مؤشرًا واضحًا حول مدى نجاح الفيلم في جذب الجمهور. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يتم عرض الفيلم في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية، وهو ما قد يساهم في زيادة شهرته وتأثيره. إلا أن النجاح التجاري والجوائز السينمائية لا يكفيان وحدهما لتقييم قيمة الفيلم، بل يجب النظر أيضًا إلى الرسائل التي يحملها والأثر الذي يتركه في نفوس المشاهدين.