هل سرقت فنزويلا نفطا وأصولا أميركية كما يقول ترامب؟

واشنطن – تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا، بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض “حصار كامل وصارم” على ناقلات النفط المتجهة إلى ومن فنزويلا، وذلك ردًا على مصادرة أصول شركات النفط الأميركية في البلاد. يأتي هذا التطور في ظل عقوبات أميركية مشددة تهدف إلى الإطاحة بحكومة الرئيس نيكولاس مادورو، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في فنزويلا الغنية بالنفط.
أعلن ترامب في منشور على منصة تروث سوشيال أن الحصار سيستمر حتى “تعيد فنزويلا إلى الولايات المتحدة كل النفط والأراضي والأصول الأخرى التي سرقتها منا سابقًا”. وأضاف في تصريحات للصحفيين أن الولايات المتحدة “لا تريد أن يحدث هذا مرة أخرى”، مشيرًا إلى أن شركات النفط الأميركية طُردت من فنزويلا ويريد استعادتها.
النفط الفنزويلي: محور الأزمة المتصاعدة
تعتبر قضية النفط الفنزويلي هي جوهر الخلاف بين البلدين. فنزويلا تمتلك احتياطيات نفطية هائلة، تعد من بين الأكبر في العالم، لكن إنتاجها انخفض بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب سوء الإدارة والفساد والعقوبات الأميركية. وفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن استمرار الحصار الأميركي قد يشل الاقتصاد الفنزويلي بشكل كامل، نظرًا لاعتماده الكبير على عائدات النفط.
تاريخيًا، لعبت الشركات الأجنبية، وخاصة الأميركية والبريطانية، دورًا مهيمنًا في صناعة النفط الفنزويلية منذ أوائل القرن العشرين. في عام 1975، قامت الحكومة الفنزويلية بتأميم صناعة النفط، مما أدى إلى نشوء شركة بتروليوس دي فنزويلا (PDVSA) الحكومية. هذا التأميم، الذي جاء تتويجًا لجهود مستمرة على مدى عقود، كان يهدف إلى زيادة سيطرة فنزويلا على مواردها الطبيعية.
خلفية تاريخية للتأميم
بدأت عملية استعادة السيطرة على النفط في فنزويلا في عام 1943، عندما أقرت الحكومة قانونًا يلزم شركات النفط الأجنبية بالتنازل عن نصف أرباحها. لاحقًا، شهدت البلاد المزيد من التشريعات التي تهدف إلى التأميم الكامل لصناعة النفط، وبلغت ذروتها في عام 1975. في ذلك الوقت، لم تبدِ واشنطن رد فعل قويًا، حيث كانت تفضل الحفاظ على كراكاس كمورد للنفط الرخيص.
في عهد الرئيس هوغو شافيز، استكملت فنزويلا سيطرتها على صناعة النفط، بما في ذلك عمليات الاستكشاف والإنتاج والتكرير والتصدير. وقد أدت هذه الخطوات إلى نزاعات مع الشركات الأميركية، مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، التي خسرت أصولًا كبيرة في فنزويلا. وقد لجأت هذه الشركات إلى التحكيم الدولي للمطالبة بتعويضات، لكن الدفعات كانت محدودة بسبب الأزمة الاقتصادية في فنزويلا.
اتهامات متبادلة وتصعيد عسكري
تتهم إدارة ترامب حكومة مادورو باستخدام عائدات النفط لتمويل أنشطة غير قانونية، مثل تهريب المخدرات ودعم الجماعات المسلحة. وتشير الإدارة إلى أن هذه الأموال تساهم في تفاقم المشاكل الأمنية في الولايات المتحدة. في المقابل، تتهم فنزويلا الولايات المتحدة بالتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة الإطاحة بحكومتها المنتخبة.
في الأسابيع الأخيرة، كثفت الولايات المتحدة من ضغوطها على فنزويلا، من خلال فرض حصار بحري على ناقلات النفط والاستيلاء على بعضها في البحر الكاريبي. وقد أثارت هذه الإجراءات انتقادات واسعة النطاق، حيث يرى البعض أنها قد تؤدي إلى تصعيد عسكري في المنطقة. وقد أظهر استطلاع رأي حديث أن غالبية الأميركيين يعارضون هذه الإجراءات.
من جهته، حذر نائب رئيس موظفي ترامب ومستشار الأمن الداخلي، ستيفن ميلر، من أن مصادرة أصول شركات النفط الأميركية هي “أكبر عملية سرقة مسجلة”، وأن الأموال التي تم الحصول عليها من خلال هذه المصادرة تستخدم لتمويل “الإرهاب” والهجرة غير النظامية إلى الولايات المتحدة.
الوضع الحالي معقد ويتطلب حذرًا شديدًا. من المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة ممارسة الضغوط على فنزويلا، لكن مدى استجابة حكومة مادورو لهذه الضغوط يظل غير واضحًا. كما أن احتمال تدخل عسكري أميركي في فنزويلا لا يزال قائمًا، على الرغم من المعارضة الداخلية والخارجية. ستكون الأيام والأسابيع القادمة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقات بين البلدين ومصير النفط الفنزويلي.