لماذا قد تكون العديد من اضطرابات الصحة النفسية أكثر تشابها مما نظن؟

أظهرت دراسة جينية واسعة النطاق حديثة أن العديد من اضطرابات الصحة النفسية قد تشترك في أسس بيولوجية أكثر مما كان يُعتقد سابقًا. توصل باحثون من جامعة كولورادو بولدر وشبكة “ماس جنرال بريغهام” في الولايات المتحدة إلى هذه النتائج بعد تحليل الحمض النووي لملايين الأفراد، مما قد يؤدي إلى تحسينات في تشخيص وعلاج هذه الحالات المعقدة.
نُشرت الدراسة في 16 ديسمبر 2025، وتستند إلى بيانات جينية لأكثر من ستة ملايين شخص، بما في ذلك أكثر من مليون شخص تم تشخيصهم بحالة واحدة على الأقل من اضطرابات الصحة النفسية. تأتي هذه النتائج في وقت يعاني فيه أكثر من مليار شخص حول العالم من حالات نفسية مختلفة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
فهم التقاطعات الجينية في اضطرابات الصحة النفسية
لطالما تم التعامل مع اضطرابات الصحة النفسية ككيانات منفصلة، ولكن هذه الدراسة تشير إلى وجود تداخل كبير على المستوى الجيني. حلل الفريق البحثي 14 اضطرابًا نفسيًا مختلفًا، واكتشفوا أن معظم الاختلافات الجينية بين الأفراد المصابين وغير المصابين يمكن تفسيرها من خلال خمسة أنماط جينية رئيسية فقط. هذه الأنماط مرتبطة بـ 238 متغيرًا جينيًا تؤثر على تطور الدماغ ووظيفته.
تصنيف الاضطرابات بناءً على السمات الجينية المشتركة
بناءً على هذه السمات الجينية المشتركة، قام الباحثون بتصنيف الحالات إلى خمس فئات رئيسية. تضمنت إحدى المجموعات اضطرابات تتميز بسمات قهرية، مثل فقدان الشهية العصبي، واضطراب توريت، واضطراب الوسواس القهري. في المقابل، ضمت مجموعة أخرى اضطرابات داخلية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. ركزت مجموعة ثالثة على اضطرابات تعاطي المواد، بينما شملت رابعة اضطرابات النمو العصبي مثل التوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
أما المجموعة الخامسة فقد ضمت الاضطراب ثنائي القطب والفصام. أظهرت الدراسة أن حوالي 70٪ من الإشارة الجينية المرتبطة بالفصام تتداخل أيضًا مع الإشارة الجينية المرتبطة بالاضطراب ثنائي القطب. عادةً ما يُنظر إلى هذين الاضطرابين على أنهما متميزان، ونادرًا ما يتم تشخيصهما معًا.
الآثار المترتبة على تشخيص وعلاج الأمراض النفسية
تتحدى هذه النتائج الفكرة التقليدية بأن اضطرابات الصحة النفسية هي أمراض منفصلة تمامًا. بدلاً من ذلك، تشير الدراسة إلى أن العديد منها مدفوع بعمليات بيولوجية مشتركة. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الوقت لا يزال مبكرًا لتغيير طرق التشخيص الحالية.
يهدف فريق البحث إلى أن تساهم هذه النتائج في تحديثات مستقبلية للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه متخصصو الصحة النفسية في جميع أنحاء العالم. ويقول الباحثون إن تحديد العناصر المشتركة بين هذه الاضطرابات يمكن أن يؤدي إلى تطوير استراتيجيات علاجية أكثر فعالية، ربما تتطلب عددًا أقل من الأدوية أو التدخلات النفسية.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت الدراسة عن مسارات بيولوجية محددة مرتبطة بمجموعات مختلفة من الحالات. على سبيل المثال، كانت الجينات التي تؤثر على العصبونات الاستثارية أكثر نشاطًا لدى الأفراد المصابين بالاضطراب ثنائي القطب والفصام. وفي حالات الاكتئاب والقلق، كانت المتغيرات الجينية المرتبطة بالخلايا الدبقية قليلة التغصن أكثر شيوعًا. يبدو أن بعض العوامل الجينية المشتركة تؤثر على تطور الدماغ في مراحل مبكرة جدًا، بينما قد يلعب البعض الآخر دورًا أكبر في مرحلة البلوغ.
تشير الأبحاث السابقة إلى أن أكثر من نصف الأشخاص الذين يتم تشخيصهم باضطراب نفسي واحد يحصلون لاحقًا على تشخيص إضافي واحد على الأقل، وأن حوالي 41٪ يستوفون معايير أربعة اضطرابات أو أكثر خلال حياتهم. هذا يؤكد الحاجة إلى فهم أفضل للتعقيدات الكامنة وراء الصحة النفسية.
من المتوقع أن يستمر البحث في هذا المجال، مع التركيز على تحديد الأهداف الدوائية المحتملة وتطوير علاجات شخصية أكثر. سيراقب الباحثون عن كثب التطورات في علم الجينوم وعلم الأعصاب، بالإضافة إلى تأثير هذه النتائج على الممارسات السريرية الحالية. من المرجح أن يتم إجراء المزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج وتوسيع نطاقها ليشمل مجموعات سكانية متنوعة.